ابنى بيكسب مئات الآلاف
الأثاث اللي اشتراه كمال.. نفس الستارة..
بكت تيسير واحتضنتها
من النهاردة ده بيتكِ أنتِ.. هنا تقعدي معانا، تأكلي معانا، تضحكي مع العيال.. ما حدش هيخفيكِ تاني عن الدنيا.
الجزء الرابع
لم يمر أسبوع حتى بدأت الأقاويل تنتشر في الحي والسوق.. بعض الناس لام ماجد، وبعضهم قال ربما له أسبابه، لكن ماجد لم يتحمل أي لوم، ازداد انعزاله، تغيرت تصرفاته، بدأ يغيب لساعات طويلة، ويأتي في وقت متأخر بوجه متعكر ومشحون بالتوتر.
ذات مساء، جاء ليرى أمه عطيات التي بدأت تستعيد عافيتها ببطء بفضل الرعاية والدفء، وقف عند باب الغرفة وقال بصوت خشن
خلاص عرفتِ كل حاجة.. الناس كلها تتكلم.. شكلي بقيت العدو في عيونكم.
قالت له عطيات بهدوء
أنا ما جيت لأدمرك يا ماجد.. جيت عشان أعيش بقية عمري بين أهلي.. لو كنت جئت لي بنفسك وقلت لي تعالي يا أمي نقعد مع بعض، كنت جيتِ وحدي.. ما كنتش أطلب منك كلمة اعتذار ولا كلمة شكر.. بس كنت محتاجة كلمة أمي تطلع من فمك مرة واحدة.
دمعت عينا ماجد، انحدرت على خده خط رفيع، ثم انصرف بسرعة دون أن يرد.
بعد أيام، اكتشفت تيسير سبب توتره الحقيقي.. شركة التشطيبات التي كان يفاخر بها، كانت على وشك الإفلاس! المشاريع توقفت، الديون تراكمت، والناس تطالب بحقوقها. جاء إليها ذات يوم وكله انكسار
محتاج مساعدة.. محتاجة فلوس.. الموردين هيسحبوا كل حاجة..
تيسير نظرت إليه بحزن عميق
أنا معايا مدخرات العمر كلها.. فلوس الورد.. كل اللي جمعته بعرق جبيني.. كنت مدخرة عشانك أنت.. عشان تفتح مشاريع أكتر.. بس قبل ما أعطيك إياها، قولي لي هتستخدمها فين؟ وهتصرف منها على مين؟
على الشركة.. على العمال.. أرجوكي يا أمي.. ما تخلينيش أخسر كل حاجة!
أعطيك إياها بشرط.. تشارك مريم في إدارة الحسابات.. هي اللي صانت أمانة سنين.. وهي اللي تستاهل تثق بها.
تردد ماجد قليلًا ثم وافق مضطرًا.
بدأت مريم تراجع الدفاتر والحسابات، وسرعان ما اكتشفت أن الخسائر أعمق بكثير مما ظهر.. هناك مبالغ كبيرة اختفت دون سند، واتضح أن ماجد كان يصرف أموال المشاريع على
مظاهر زائفة وكرم لا يملكه، وكل ما كان يظهره من أرباح لم يكن سوى وهم بني على حساب الديون.
جمعت الأسرة في المساء، ووضعت الدفاتر أمام الجميع
الحقيقة يا جماعة، المال اللي عندنا مش كافي لسد كل الديون.. لو صرفناه كله، هنخرج بلا شيء.. لكن عندنا ما هو أغلى من المال.. عندنا أيدٍ تعمل، وقلوب تتحمل المسؤولية.. من بكرة الصبح، نبدأ من جديد.. بلا عربيات فاخرة، بلا مظاهر كاذبة.. نعمل مع بعض، نكسب بعرق جبيننا، ونرد حق الناس خطوة بخطوة.
الجزء الخامس
كانت البداية صعبة.. باع ماجد السيارة الفاخرة والساعة الغالية ليسد جزءًا من الديون، وعاد ليعمل يديه مع العمال في المشاريع الصغيرة.. تيسير وسّعت محل الورد، ومريم أدارت الحسابات بدقة، وعطيات بقيت في البيت ترعى الأحفاد وتملأ المكان دفء وحنانًا لم يكن يعرفه من قبل.
كان ماجد يأتي متعبًا كل مساء، يجلس بجانب أمه عطيات التي تضع له كوب الشاي بيدها المرتعشة، فتحدثه بكل هدوء
التعب يروح يا ولدي.. بس ما ترجعش للطرق المعوجة.. الطريق المستقيم تعبه أقل من عڈاب الضمير.
لم يكن يتكلم في البداية، لكنه بدأ يروي لها يومًا ما، يشكو الصعوبات، وتسمعه بصبر وتعاطف دون أن تلومه.
ذات يوم، وجدته مريم جالسًا وحيدًا في الحديقة الخلفية للبيت القديم، يمسك بصورة قديمة لأبيه كمال
كنت أتمنى يكون فخور بي.. قال بصوت خاڤت.
جلست بجانبه
هو فخور بك لو شايفك تعمل وتتعب وتصون أهلك.. الفخر مش في المال يا ماجد.. الفخر في أنك تقدر تقول أنا هنا وقت ما يحتاجوك.
مرت الشهور، وتحسنت الأحوال تدريجيًا.. الناس عادوا ليثقوا بماجد حين رأوه يعمل بجد وأمانة، والدائنون وافقوا على تقسيط المبالغ المتبقية لما رأوا الجدية في السداد. عادت الضحكات للبيت، عادت جنة وياسين يلعبان حول جدتهما عطيات التي تضحك وتدعو لهما، وتيسير توزع الورد في السوق بابتسامة لا تفارق وجهها.
في عيد الأم، اجتمع الجميع حول المائدة.. ماجد وقف بكوب الماء في يده، نظر لجدته ثم لأمه تيسير، ثم لمريم التي كانت تضحك مع الأطفال، وقال بصوت مؤثر
كنت