مكالمه نص الليل مشيرة محمد الثاني والاخير
لكن الحب مش معناه إنك تملك حقي في معرفة الحقيقة. وأنا مش هقدر أرجع للست اللي كنتها قبل المكالمة دي. سكتنا فترة طويلة. وبعدين طلعت من شنطتي ورقة صغيرة، وحطيتها قدامه. كانت نسخة من خطاب أمي.— دي آخر حاجة كتبتها لي.
كانت بتقول إن أبويا اختفى عشان يحميني، وإنها اختارت تكمل حياتها بعيد عن كل اللي حصل. مارك قرأ السطر الأول، وبعدها قفل عينيه.— مريم كانت أشجع مني. قلت له: — أيوه. لأنها لما غلطت، حاولت تصلح غلطها. إنت فضلت تهرب.
قمت من مكاني. وقبل ما أخرج، سمعته بيقول: — آنا، لو لقيتي أبوكي، قولي له إني آسف. ما التفتش. قلت بس: — لو لقيته، هقوله إنك كنت جزءًا من الحقيقة، مش الحقيقة كلها. وخرجت. مرت سنة كاملة. ما لقيتش أبويا، رغم إن الشرطة راجعت سجلات كتير وحققت في بلاغات اختفاء قديمة.
لكن توماس بقى شخص قريب مني، وكان كل ما أقابله يحكي لي موقفًا جديدًا عن أبي. عرفت إنه كان بيحب البحر، وإنه كان بيكتب رسائل طويلة، وإنه كان بيحلم يفتح مكتبة صغيرة لما يكبر. بدأت أحس إني بعرفه من خلال الحكايات، حتى لو ما قدرتش أشوفه بعيني.
أما أمي، فبطلت ألومها كل يوم. أنا لسه زعلانة إنها خبت عني الحقيقة، لكن بقيت فاهمة إنها كانت خايفة، وإن خوفها خلاها تاخد قرارات يمكن ما كانتش صح، لكنها كانت فاكرة إنها بتحميني. ومارك؟القضية أخدت مجراها القانوني، واتحاسب على التهم اللي ثبتت عليه.
ما رجعتش له، وما حاولش يطلب مني أرجع. آخر رسالة وصلتني منه كانت قصيرة جدًا: «أنا آسف إني خليتك تدفعي تمن أسراري. أتمنى في يوم تعرفي تعيشي من غير ما تخافي من رنة التليفون في نص الليل».احتفظت بالرسالة، لكن ما رديتش.
مش لأن قلبي بقى حجر، لكن لأن في أبواب لازم تتقفل حتى لو اللي وراها لسه ليه مكان في قلبك. وفي ليلة هادية، بعد سنة وشهرين من المكالمة الأولى، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، بقرأ كتابًا قديمًا اشتريته من مكتبة صغيرة. فجأة، تليفوني رن. الساعة كانت واحدة ونص بالليل.
فضلت باصة للشاشة، وقلبي بدأ يدق بنفس الطريقة اللي دق بيها يوم سمعت إن جوزي مـ,ـات. الرقم كان مجهولًا. كنت على وشك أرفض المكالمة، لكن حاجة جوايا قالت لي أرد.— ألو؟سمعت صوت راجل كبير في السن، هادي ومتعب. — آنا هاريس؟