روايات_مشيره_محمدالجزء التاني: سر أمي اللي خلّى جوزي يختارني «كنت فاكرة إن جوزي دخل حياتي بالصدفة، لكن صورة قديمة بخط إيد أمي كشفت لي إن في حد كان بيراقبني قبل ما أعرف مارك بست سنين... والصدمة الأكبر إن أمي ما كانتش مجرد شاهدة على السر، دي كانت جزءًا منه! » فضلت قاعدة في عربيتي، والظرف البني فوق رجلي، وببص للصورة اللي جواه كأني مستنية ملامح أمي تتحرك وتشرح لي هي كانت بتعمل إيه. قلّبت الصورة على ضهرها للمرة العاشرة. نفس الجملة.«الهدف اتحدد. استنوا التعليمات».وتحت الجملة كان فيه توقيع صغير، ماخدتش بالي منه في الأول. حرفان متداخلان: «م. ه». ماما اسمها مريم هاريس قبل الجواز، وبعد جوازها بقت مريم ويلسون. لكن إيه علاقة اسمها بعيلة هاريس اللي مارك كان عايش بيه؟وإيه معنى كلمة الهدف أصلًا؟أنا عمري ما كنت بنت غنية، ولا عندي ورث، ولا اشتغلت في مكان حساس. كنت بنت عادية جدًا، عايشة مع أمي، وبشتغل في محل ملابس صغير، وكل أحلامي وقتها إني أقدر أستقل بحياتي وأتجوز راجل يحبني. طب ليه حد يختارني ويراقبني من ست سنين قبل ما أقابل جوزي؟شغلت العربية، وطلعت الصورة من الظرف تاني. كان العنوان المكتوب في آخر الورقة في منطقة قديمة على أطراف المدينة، وعليه اسم شارع أنا أعرفه كويس. لأن أمي كانت بتروح المنطقة دي كل شهر تقريبًا، وتقول لي إنها بتزور صاحبتها القديمة. طول عمري كنت فاكرة إنها صاحبة من أيام المدرسة. لكن عمري ما شفت الست دي، ولا حتى عرفت اسمها. طلعت تليفوني واتصلت بالمحامي.— أستاذ سامح، أنا محتاجة أعرف إذا كان ينفع أطلب حماية من الشرطة قبل ما أروح عنوان معين. رد بجدية: — إنتِ ناوية تروحي فين يا آنا؟ — عنوان موجود في ظرف أخدته من مارك. أمي كانت مرتبطة بالمكان ده، وأنا محتاجة أعرف الحقيقة.— اسمعيني كويس. ما تروحيش لوحدك. ابعتي لي العنوان، وأنا هتواصل مع الضابط المسؤول عن القضية. بعت له العنوان، وبعدها ركنت العربية قدام البيت ورجعت دخلت. ما قدرتش أنام الليلة دي. كل ما أغمض عيني، أفتكر أمي وهي بتقعد جنبي على السرير، وتمسح على شعري، وتقول لي: «يا بنتي، مهما حصل، خليكي بعيدة عن مشاكل الناس. مش كل حقيقة لازم نعرفها».كنت فاكرة إنها نصيحة أم خايفة على بنتها. دلوقتي بقيت مش عارفة إذا كانت بتحميني من الناس، ولا بتحميني من حقيقتها هي. تاني يوم، الساعة عشرة الصبح، اتصل بيا الظابط المسؤول عن القضية. اسمه ديفيد ميلر، وهو نفس الظابط اللي قابلته في المشـ,ـرحة. قال لي: — مدام آنا، راجعنا العنوان اللي بعتيه، وطلع إنه تابع لمبنى قديم كان مستخدم من شركة اتقفلت من أكتر من عشر سنين. سألته بسرعة: — شركة إيه؟— شركة اسمها «نورث بريدج للاستشارات المالية».الاسم ما كانش مألوف بالنسبة لي. كمل: — لكن فيه معلومة مهمة. والدتك كانت شغالة في الشركة دي لفترة قصيرة، قبل ما تتجوز والدك. حسيت إن نفسي اتسحب مني.— أمي كانت شغالة في شركة مالية؟— أيوه، وده مش كل شيء. الشركة كانت محل تحقيق في قضية اختلاس وتزوير مستندات، لكن التحقيق اتقفل بعد اختفاء موظف رئيسي فيها. — مين الموظف؟ — مين الموظف؟ديفيد سكت لحظة.— اسمه الحقيقي آدم كين. آدم كين. الاسم الحقيقي لمارك. حطيت إيدي على بقي.— يعني أمي كانت تعرف مارك قبل ما نتقابل؟— ده اللي بنحاول نثبته. عندنا سجلات بتقول إن والدتك قدمت بلاغًا داخليًا ضد الشركة، وبعدها اختفت من سجلات الموظفين تمامًا. — ليه ما قالتليش؟ — ما نقدرش نعرف السبب دلوقتي. لكن عندنا فريق هيزور المكان، ولو حضرتك مستعدة، ممكن تيجي معانا. وافقت. لأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن الحقيقة قربت مني فعلًا. لكن كان عندي خوف أكبر من كل اللي فات. خايفة أكتشف إن أمي، اللي كانت آخر شخص ممكن أشك فيه، كانت عارفة كل حاجة عن مارك. وإنها سابتني أتجوزه من غير ما تحذرني. وصلت للمبنى القديم بعد الضهر. كان عبارة عن عمارة من أربع أدوار، واجهتها متشققة، واللافتة القديمة لسه معلقة فوق المدخل، رغم إن حروفها كانت باهتة. دخلت مع ديفيد وظابط تاني. المكان كان مليان تراب، والمكاتب فاضية إلا من شوية دواليب حديد وملفات قديمة. ديفيد قال: — حسب السجلات، الشركة اتقفلت رسميًا، لكن فيه جزء من المبنى فضل تحت ملكية مؤسسة خاصة. مشينا لحد آخر ممر في الدور التاني. كان فيه باب خشب قديم عليه رقم 17.نفس رقم المخزن اللي قابلت فيه إدوارد!قلبي بدأ يدق بسرعة. الظابط فتح الباب بمفتاح كان معاه، ودخلنا. الأوضة كانت صغيرة، فيها مكتب وكرسيين وخزانة ملفات. وعلى الحيطة، كانت فيه صورة قديمة لعدد من الموظفين واقفين قدام شعار الشركة. قربت من الصورة. وفي اللحظة اللي شفت فيها أمي، حسيت إن رجلي مش شايلاني. كانت واقفة في الصف التاني، أصغر بحوالي عشرين سنة، وشعرها طويل، ووشها مبتسم. لكن اللي صدمني أكتر إن الراجل اللي واقف جنبها كان مارك. أو آدم كين، زي ما عرفنا. بصيت لديفيد. — دي أمي. .. وده جوزي. ديفيد قرب من الصورة، وبدأ يفحصها.— واضح إنهم كانوا زملاء عمل.— زملاء عمل؟ أمي عمرها ما قالت إنها تعرفه!ديفيد ما ردش. فتحت درج المكتب، ولقيت ظرف قديم مكتوب عليه اسم أمي بالكامل. جواه كانت مجموعة أوراق، وخطابات، وصورة تانية لأمي وهي واقفة مع راجل ما شفتوش قبل كده. وتحت الصورة مكتوب: «إلى مريم، شكرًا لأنك اخترتي تحمي بنتك».إيدي بدأت تترعش. فتحت أول خطاب. كان مكتوب بخط أمي: «أنا عارفة إنك هتعتبر اللي بعمله خيانة، لكن أنا مش هسمح إن بنتي تدفع تمن أخطاء أنا شاركت فيها. آدم مش وحش زي ما الناس بتقول، لكنه جبان، وبيهرب من الحساب. لو رجع يدور على آنا، لازم تعرف الحقيقة كاملة قبل ما تثق فيه». وقفت مكاني. آدم مش وحش زي ما الناس بتقول؟أمي كانت بتدافع عنه!قلبت الورقة، ولقيت التاريخ قبل جوازي من مارك بست سنين. وفي آخر الخطاب كان فيه سطر متعلم عليه بقلم أحمر: «آنا مش عارفة إن والدها الحقيقي لسه عايش».حسيت إن الدنيا اسودت قدامي. والدي الحقيقي؟ أنا طول عمري أعرف إن أبوي مـ,ـات وأنا عندي سبع سنين، وكنت محتفظة بصورته في درج أوضتي. أمي كانت بتقول إنه مـ,ـات في حـ,ـادثة سفر، وإن جـ,ـثته اتدفنت في بلد بعيدة، وإنها ما قدرتش تاخدني معاه وقتها. لكن لو كان لسه عايش...يبقى مين الراجل اللي اتربيت وأنا فاكرة إنه أبويا؟ومين الشخص اللي أمي كانت بتحاول تحميني منه؟ بصيت لديفيد وقلت بصوت بالكاد طالع: — أنا محتاجة أعرف مين أبويا الحقيقي. ديفيد أخد الخطاب مني بحذر.— هنراجع كل المستندات، لكن لازم تكوني مستعدة لأي نتيجة. ضحكت بمرارة.— أنا من يوم ما سمعت المكالمة دي، وكل يوم بكتشف إن حياتي كلها كانت مبنية على كذبة. أعتقد إني خلاص مستعدة لأي حاجة. لكن كنت غلطانة. لأن اللي استنياني في آخر درج المكتب كان أكبر من قدرتي على التخيل. كان فيه مفتاح صغير مربوط بخيط أحمر، ومعاه ورقة مكتوب عليها عنوان بيت في مدينة ساحلية، وتحت العنوان جملة واحدة: «لو آنا وصلت للحقيقة، يبقى آدم فشل في حمايتها». ديفيد طلب مني ما ألمسش أي حاجة تانية، وبدأ يصور الأوراق، لكن أنا كنت مشغولة بسؤال واحد. مين أبويا الحقيقي؟روايات_مشيره_محمد وليه أمي خبت عني إنه لسه عايش؟رجعت البيت مع الشرطة، لكن ما قدرتش أستحمل وأستنى نتيجة التحقيق. اتصلت بالمحامي سامح، وحكيت له اللي لقيته. قال لي: — آنا، العنوان اللي في الورقة لازم يتراجع الأول. ممكن يكون فخ، وممكن يكون عنوان قديم ملوش علاقة بالقضية. قلت له: — أنا مش هروح لوحدي، بس لازم أعرف. أنا عشت عمري كله فاكرة إن أبويا مـ,ـات، وطلع فيه احتمال إنه يكون عايش. رد بهدوء: — هنطلب من الشرطة تتحقق من العنوان، وأول ما يكون فيه معلومات موثوقة هنعرف. قفلت المكالمة، وطلعت صندوق الصور القديم اللي أمي كانت محتفظة بيه. قعدت أقلب الصور واحدة واحدة. صور عيد ميلادي، وصور المدرسة، وصور أمي وهي شايلاني وأنا صغيرة. وبعدين لقيت صورة كنت شفتها مئات المرات قبل كده. أنا عندي سبع سنين، واقفة جنب أمي قدام بيتنا القديم، وفي الخلفية راجل واقف بعيد عن الكاميرا، ملامحه مش واضحة. كنت فاكرة إنه واحد من الجيران. لكن لما قلبت الصورة، لقيت أمي كاتبة: «آنا مع والدها، آخر زيارة قبل الفراق». فضلت باصة للجملة. آخر زيارة قبل الفراق!مش قبل الوفـ,ـاة. يعني أمي نفسها ما كتبتش إنه مـ,ـات. هي كتبت إنه فارقنا. وفي اللحظة دي، افتكرت موقف قديم جدًا. كنت عندي عشر سنين، وكنت قاعدة مع أمي في المطبخ، فسألتها ليه ما عنديش صور كتير لأبويا. وقتها وشها اتغير، وقالت لي: «في ناس يا بنتي بنفتكرهم أحسن ما نعرف حقيقتهم».أنا زعلت منها وقتها، وافتكرت إنها مش عايزة تتكلم عنه عشان لسه حزينة على مـ,ـوته. لكن دلوقتي فهمت إن الجملة كان ليها معنى تاني خالص. تاني يوم، ديفيد اتصل بيا. قال إن العنوان اللي في الورقة يعود لبيت قديم كان مملوكًا لرجل اسمه توماس ويلسون. نفس اسم العيلة اللي أمي كانت بتحمله بعد جوازها. لكن توماس ما كانش مسجل كزوج لأمي، ولا كان فيه أي مستند رسمي يثبت علاقته بيا. طلبت منه نروح العنوان، ووافق بشرط إننا نروح مع فريق من الشرطة. بعد رحلة طويلة، وصلنا لبيت صغير على أطراف المدينة الساحلية. كان البيت قديم، محاط بسور حديد، وفيه شجرة كبيرة قدام الباب. ديفيد خبط. بعد دقيقة، الباب اتفتح. طلبت منه نروح العنوان، ووافق بشرط إننا نروح مع فريق من الشرطة. بعد رحلة طويلة، وصلنا لبيت صغير على أطراف المدينة الساحلية. كان البيت قديم، محاط بسور حديد، وفيه شجرة كبيرة قدام الباب. ديفيد خبط. بعد دقيقة، الباب اتفتح. ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد، لكنه كان واقف بثبات. أول ما عينيه وقعت عليّا، اتجمد مكانه. فضل باصص لي فترة طويلة، وبعدها همس: — آنا؟أنا ما عرفتش أقول حاجة. هو عرف اسمي من غير ما حد يعرّفه بيا. ديفيد سأله: — حضرتك توماس ويلسون؟هز راسه.— أيوه. ديفيد طلع صورة أمي من الملف.— تعرف السيدة دي؟الراجل أخد الصورة، وإيده بدأت تترعش.— مريم... أيوه، أعرفها. بص لي تاني، وعينيه بدأت تلمع.— ادخلوا. كنت عارف إن اليوم ده هييجي. دخلنا البيت، وقعدنا في صالة صغيرة فيها صور قديمة وكتب مترتبة على رفوف خشب. الراجل قعد قصادي، وبص لي كأنه بيحاول يحفظ ملامحي. وبعدين قال: — أنا مش أبوكي يا آنا، لكن أبوكي الحقيقي كان أقرب صاحب ليا. اتخضيت.— يعني إنت تعرف أبويا؟— أيوه. اسمه الحقيقي جون هاريس. اسم هاريس خلاني أفتكر جوزي فورًا. سألته بسرعة: — هل كان يعرف آدم كين؟توماس هز راسه.— للأسف، أيوه. أبوكي وآدم كانوا بيشتغلوا في نفس الشركة، لكن أبوكي اكتشف إن فيه معاملات مالية مزورة، وإن ناس كتير بتستخدم هويات أشخاص حقيقيين عشان يخفوا فلوسهم. حاول يبلغ عنهم، لكن قبل ما يعمل كده، اكتشف إن فيه حد قريب منه بيسرب المعلومات.— مين؟توماس سكت لحظة، وبعدها قال: — مريم. حسيت إني مش قادرة أتنفس.— أمي؟!— في البداية، أيوه. كانت بتشتغل معاهم، وكانت بتنفذ تعليمات من غير ما تعرف حجم الجريمة. لكن لما اكتشفت إنهم بيخططوا يورطوا جون في القضية، حاولت تصلح غلطها. بصيت له بعدم تصديق.— طب ليه قالت لي إن أبويا ـ,ـمات؟توماس أخد نفس طويل.— لأن جون اختفى بعد ما قدم أدلة ضد المجموعة، والناس اللي كان بيحقق معاهم كانوا فاكرين إنه أخفى نسخة من الملفات الأصلية. مريم خافت إنهم يوصلوا ليكي، فغيرت مكانها وبدأت حياة جديدة باسم مختلف.— لكن ليه ما قالتليش الحقيقة لما كبرت؟توماس بص لي بحزن.— لأنها كانت عارفة إن الحقيقة هتخليكي هدف من جديد. وهي كانت فاكرة إن كل الملفات ضاعت، وإن جون مـ,ـات فعلًا. سألته: — وإنت إزاي عرفت إني هاجي؟ قام من مكانه، ودخل أوضة جانبية، وبعد شوية رجع ومعاه صندوق خشب صغير. حطه قدامي، وفتحه. جواه كانت فيه خطابات وصور، وفي النص ظرف مكتوب عليه اسمي. قال: — أبوكي ساب الظرف ده عندي قبل ما يختفي. وطلب مني ما أسلمهوش ليكي إلا لو وصلتي بنفسك وسألتي عنه. مد إيده ناحيتي.— أعتقد إن الوقت جه. فتحت الظرف ببطء. كان جواه خطاب طويل بخط إيد راجل ما أعرفوش، لكن أول سطر خلاني أعيط من غير ما أحس. «إلى ابنتي آنا، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أرجع لك بنفسي». كملت القراءة وأنا بمسح دموعي.«أنا عارف إنك ممكن تكوني كرهتيني عشان اختفيت من حياتك، وعارف إن أمك قالت لك إني مت. لكن الحقيقة إني اضطررت أختفي عشان أحميكي من ناس كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا للملفات اللي معايا. ولو لقيتي نفسك قدام اختيار بين معرفة الحقيقة والحفاظ على حياتك، افتكري إن الحقيقة مش دايمًا بتكون في الأوراق. ساعات بتكون في اختيارات الناس لما محدش بيشوفهم». وصلت لآخر سطر.«أبوكِ، جون».فضلت ماسكة الخطاب على صدري، وبعيط زي طفلة صغيرة. طول عمري كنت فاكرة إن أبويا ماـ,ـت من غير ما يودعني. دلوقتي عرفت إنه كان عايش فترة بعد اختفائه، وإن أمي كانت بتحاول تحميني من ماضيه. لكن السؤال اللي ما زال بيوجعني هو: هل مـ,ـات فعلًا بعد كده، ولا لسه فيه احتمال إنه يكون عايش؟رفعت عيني لتوماس. — هو فين دلوقتي؟توماس نزل عينه.— ما أعرفش. آخر خبر وصلني عنه كان من حوالي عشر سنين. واحد من معارفه قال إنه شافه في دولة تانية، لكن ما كانش عندنا دليل. ديفيد تدخل: — لو عندنا اسم كامل وسجلات قديمة، نقدر نراجع قواعد البيانات المتاحة، لكن مش هنوعد بأي نتيجة. هزيت راسي. كنت عارفة إن ده مش وقت الأمل الكداب. لكن لأول مرة، بقيت عندي حقيقة أقدر أبني عليها بدل ما أفضل عايشة وسط حكايات ناقصة. بعد ما رجعنا، الشرطة استكملت التحقيق في ملف الشركة القديمة. ومن خلال الأوراق اللي لقيناها، اتضح إن أمي كانت قد ساعدت في نقل مستندات مهمة بعيدًا عن المجموعة قبل ما تختفي. أما مارك، فكان فعلًا يعرف أمي من زمان. لكن الحقيقة كانت مختلفة عن اللي توقعتها. هو ما اختارنيش لأنه كان متأكد إن عندي الملف المشفر، ولا لأن أمي سلمته لي. هو قابلني فعلًا بالصدفة بعد سنين من اختفاءه، لكنه عرف هويتي الحقيقية بعد فترة قصيرة من بداية علاقتنا. ولما اكتشف إني بنت جون هاريس، بدأ يخاف من إن الماضي يرجع يهددنا. بدل ما يقول لي الحقيقة، اختار يكذب. ولما رجعت المجموعة تدور على الملفات، بدأ يحاول يوصل للنسخة المشفرة اللي كانت على اللابتوب القديم. الملف كان عندي من غير ما أعرف، وده خلاهم يراقبوني. لكن مارك ما كانش الوحيد اللي بيحاول يحميني. أمي كانت سابت عند توماس تعليمات واضحة: لو حد وصل لآنا وسأل عن جون، لازم تتأكدوا الأول إن الشخص ده مش تابع للمجموعة. عشان كده توماس ما اتصلش بيا من نفسه، وما حاولش يدخل حياتي. كان مستني اللحظة اللي أوصل فيها للحقيقة بنفسي. وبعد مراجعة الأدلة، قدر المحققون يثبتوا إن مارك أخفى معلومات مهمة عن القضية، لكنه ما كانش هو اللي أصدر الأمر بمحاولة الاعتداء عليّا. وده ما غيّرش حقيقة إنه خدعني، لكنه ساعد في تحديد مسؤولية كل شخص عن اللي حصل. بعد شهر، وافقت أقابل مارك مرة تانية. المرة دي، ما كانش عندي أسئلة كتير. كنت عايزة أعرف حاجة واحدة. دخلت غرفة الزيارة، وقعدت قدامه. أول ما شافني، قال: — عرفتي كل حاجة؟حطيت صورة أمي وأبويا على الطاولة.— عرفت إنك كنت تعرف أمي قبل ما تقابلني. وعرفت إنك اكتشفت إني بنت جون بعد ما اتجوزنا. وعرفت إنك فضلت ساكت عشان كنت خايف أخسرك. مارك فضل باصص للصورة.— أنا كنت عايز أقول لك.— إمتى؟ بعد ما الشرطة تكتشف؟ ولا بعد ما حد يحاول يقـ,ـتلني؟نزل عينه.— ما عنديش عذر. قلت له: — لأ، ما عندكش. وعرفت إنك اكتشفت إني بنت جون بعد ما اتجوزنا. وعرفت إنك فضلت ساكت عشان كنت خايف أخسرك. مارك فضل باصص للصورة.— أنا كنت عايز أقول لك.— إمتى؟ بعد ما الشرطة تكتشف؟ ولا بعد ما حد يحاول يقـ,ـتلني؟نزل عينه.— ما عنديش عذر. قلت له: — لأ، ما عندكش. لأنك ما كنتش بتحميني لما كذبت عليّا. إنت كنت بتحمي نفسك من مواجهة الماضي. مارك رفع عينه ليا، وكانت مليانة دموع.— أنا بحبك يا آنا. حسيت بألم في صدري، لكن المرة دي ما سمحتش للألم إنه يخليني أتراجع.— يمكن تكون بتحبني فعلًا. لكن الحب مش معناه إنك تملك حقي في معرفة الحقيقة. وأنا مش هقدر أرجع للست اللي كنتها قبل المكالمة دي. سكتنا فترة طويلة. وبعدين طلعت من شنطتي ورقة صغيرة، وحطيتها قدامه. كانت نسخة من خطاب أمي.— دي آخر حاجة كتبتها لي. كانت بتقول إن أبويا اختفى عشان يحميني، وإنها اختارت تكمل حياتها بعيد عن كل اللي حصل. مارك قرأ السطر الأول، وبعدها قفل عينيه.— مريم كانت أشجع مني. قلت له: — أيوه. لأنها لما غلطت، حاولت تصلح غلطها. إنت فضلت تهرب. قمت من مكاني. وقبل ما أخرج، سمعته بيقول: — آنا، لو لقيتي أبوكي، قولي له إني آسف. ما التفتش. قلت بس: — لو لقيته، هقوله إنك كنت جزءًا من الحقيقة، مش الحقيقة كلها. وخرجت. مرت سنة كاملة. ما لقيتش أبويا، رغم إن الشرطة راجعت سجلات كتير وحققت في بلاغات اختفاء قديمة. لكن توماس بقى شخص قريب مني، وكان كل ما أقابله يحكي لي موقفًا جديدًا عن أبي. عرفت إنه كان بيحب البحر، وإنه كان بيكتب رسائل طويلة، وإنه كان بيحلم يفتح مكتبة صغيرة لما يكبر. بدأت أحس إني بعرفه من خلال الحكايات، حتى لو ما قدرتش أشوفه بعيني. أما أمي، فبطلت ألومها كل يوم. أنا لسه زعلانة إنها خبت عني الحقيقة، لكن بقيت فاهمة إنها كانت خايفة، وإن خوفها خلاها تاخد قرارات يمكن ما كانتش صح، لكنها كانت فاكرة إنها بتحميني. ومارك؟القضية أخدت مجراها القانوني، واتحاسب على التهم اللي ثبتت عليه. ما رجعتش له، وما حاولش يطلب مني أرجع. آخر رسالة وصلتني منه كانت قصيرة جدًا: «أنا آسف إني خليتك تدفعي تمن أسراري. أتمنى في يوم تعرفي تعيشي من غير ما تخافي من رنة التليفون في نص الليل».احتفظت بالرسالة، لكن ما رديتش. مش لأن قلبي بقى حجر، لكن لأن في أبواب لازم تتقفل حتى لو اللي وراها لسه ليه مكان في قلبك. وفي ليلة هادية، بعد سنة وشهرين من المكالمة الأولى، كنت قاعدة في شقتي الجديدة، بقرأ كتابًا قديمًا اشتريته من مكتبة صغيرة. فجأة، تليفوني رن. الساعة كانت واحدة ونص بالليل. فضلت باصة للشاشة، وقلبي بدأ يدق بنفس الطريقة اللي دق بيها يوم سمعت إن جوزي مـ,ـات. الرقم كان مجهولًا. كنت على وشك أرفض المكالمة، لكن حاجة جوايا قالت لي أرد.— ألو؟سمعت صوت راجل كبير في السن، هادي ومتعب. — آنا هاريس؟ تجمدت.— أيوه، مين معايا؟سكت ثواني، وبعدها قال: — أنا مش عارف إذا كنتِ هتسامحيني على إني اتأخرت كل السنين دي، لكن لازم أقول لك حاجة. إيدي بدأت ترتعش.— حضرتك مين؟جالي الرد بصوت مبحوح: — أنا جون. .. أبوكي. ما قدرتش أنطق. سمعت صوت تنفسه في الطرف التاني، وبعدها قال: — أنا عارف إن عندك أسئلة كتير، وعارف إنك ممكن ما تصدقيش كلامي. لكن لو عايزة تتأكدي، اسألي توماس عن الرسالة اللي سابها ليكي من عشر سنين. هو ما سلّمهالكش لأن الوقت ما كانش مناسب. دموعي نزلت.— إنت فين؟ إنت عايش فعلًا؟رد: — أيوه يا بنتي، أنا عايش. لكن فيه ناس لسه بتدور عليّا، ومش هقدر أشرح لك كل حاجة في التليفون. غمضت عيني، وحاولت أستوعب إن الصوت اللي كنت بتمنى أسمعه من وأنا طفلة، بقى حقيقة قدامي. قلت له: — أنا مش هقدر أعيش وسط أسرار تاني يا بابا. لو هترجع لحياتي، لازم تكون مستعد تقول لي الحقيقة كاملة. سمعته بيتنهد.— عندك حق. وأنا المرة دي مش هطلب منك تثقي فيّ من غير دليل. اتفقنا إنه يتواصل مع المحامي، وإن أي مقابلة تحصل تحت إشراف الشرطة، عشان نتأكد من هويته ونحافظ على سلامتنا. قبل ما يقفل، قال: — آنا؟— أيوه؟— أنا آسف إني سيبتك تكبري وإنتِ فاكرة إني مت. كان نفسي أرجع لك من سنين. بصيت لصورة أمي اللي حطيتها على الرف جنب صورتي وأنا صغيرة. وقلت بصوت متقطع: — وأنا كان نفسي أعرف إنك عايش. قفلت المكالمة، وفضلت قاعدة في مكاني لحد ما بدأ نور الصبح يدخل من الشباك. المرة دي، رنة التليفون ما كانتش إعلانًا عن مـ,ـوت حد. كانت بداية فرصة جديدة، لكن من غير وعود سهلة، ومن غير ثقة عمياء. لأنني أخيرًا فهمت إن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، أرحم من حياة كاملة مبنية على الكذب. وإن الإنسان مش لازم يختار بين إنه يحب حد وبين إنه يحمي نفسه. أنا حبيت مارك، لكني اخترت نفسي. وسامحت أمي في قلبي، لكني ما نسيتش إن السكوت كان ممكن يضيعني. أما أبويا، فقررت أدي له فرصة يثبت إنه يستحق يرجع لحياتي، مش لمجرد إنه أبويا، لكن لأنه لازم يتحمل مسؤولية اختفائه. وفي اللحظة اللي حطيت فيها التليفون على الكومودينو، بصيت للساعة. كانت واحدة ونص بالضبط. نفس الوقت اللي بدأت فيه حكايتي مع مارك. لكن المرة دي، ما كنتش مرعوبة. كنت مستعدة أبدأ من جديد، حتى لو الحقيقة اللي جاية لسه مخبية وراها أسرار تانية. تمت نهاية الجزء الثاني. روايات_مشيره_محمد