البنت الفقيرة ساعدت
في تلك الفترة، بدأت علاقة صداقة عميقة تنشأ بين طارق وسعاد.. لم تكن علاقة رب عمل وموظفة.. كانت علاقة احترام وتقدير متبادل. كان يُعجب بصبرها وشجاعتها، وهي تُعجب بإنصافه ونبله. كان يتحدث معها بكل احترام، ويستشيرها في أمور المدرسة والمجتمع، وكلما رآها تُعامل باحترام من الجميع، يشعر بالفخر.. لأنه هو من أعاد لها كرامتها التي سُلبت!
أما الجدة إلهام.. فظلت تعاني من الوحدة والندم. حاولت التودد لمريم وسعاد مرات عديدة، تقدمت لهن الهدايا والاعتذارات.. وذات يوم ذهبت إليهما في المقصف، وقالت بدموع حقيقية سامحوني.. كنت أعمى بغريزة السيطرة والتمييز.. لم أرى الحقيقة إلا بعد ما فات الأوان.
مريم أخذت بيدها الصغيرة بيد الجدة الكبيرة ما فيش حاجة تسامح عليها يا تيتا.. المهم إنكِ شفتي الحقيقة.. والحب بيجمعنا مش بيفرقنا.
إلهام بكيت من قلبها، وشعرت لأول مرة بأنها ليست وحيدة.. فالقلوب الطيبة لا تُغلق أبوابها في وجه من يطلب الصفح بصدق!
الجزء الخامس السنين تمر والشمس تشرق للجميع
مرت السنين بسرعة.. وكبر ياسين ومريم معاً، يدرسان معاً، يلعبان معاً، يكبر حبهما واحترامهما لبعضهما البعض. لم يكن هناك سيد ومسود، غني وفقير.. كان هناك صديقان يُكمل كل منهما الآخر!
ياسين أصبح شاباً ذكياً واثقاً من نفسه، تخصص في إدارة الأعمال، لكنه كان مختلفاً عن باقي أبناء الأثرياء.. كان يذهب بنفسه لزيارة المصانع والمناطق الفقيرة، يستمع للناس، يفهم معاناتهم، ويحاول إيجاد حلول عملية لمشاكلهم. ورث عن أبيه العدالة، وعن مريم التواضع والبساطة.
مريم أصبحت معلمة رياضيات متميزة، تدرس في نفس المدرسة التي تعرضت فيها للإهانة طفلة.. وكانت تُعلم تلاميذها أن الذكاء لا يُقاس بالدرجات، وأن الشرف لا يُقاس بالمال، وأن الإنسان قيمته بأخلاقه وأفعاله لا بثروته أو نسبه!
طارق وسعاد تزوجا بعد أن كبر ياسين ومريم.. لم يكن زواجاً تقليدياً.. كان اتحاد قلبين وجدا فيهما الأمان والدفء الذي فقده كل منهما منذ سنوات طويلة. عاشا حياة بسيطة مليئة بالحب والاحترام، وكانا نصيراً للجميع، لا يفرقان بين غني وفقير، ولا يُقارنان بين أحد وأحد!
وذات يوم، اجتمعت العائلة الكبيرة في حديقة الفيلا.. ياسين ومريم، طارق وسعاد، والجدة إلهام التي أصبحت أجمل وأشرق بعد ما تخلصت من غرورها وتكبرها.. كانوا يحتفلون بتخرج مريم من الجامعة، وبنجاح مشروع خيري أسسه ياسين لمساعدة الطلبة المحتاجين.