مراتي كانت بتخلي احمد عمار
ليوسف وقلت
وبعد المدرسة؟
قال
بغير هدومي، وباكل، وبعدين بخلص اللي عليا.
وبعدها بتذاكر؟
هز راسه.
أيوه.
وبتنام إمتى؟
اتردد.
حسب ما أخلص.
قلت
يعني الساعة كام يا يوسف؟
قال بصوت واطي
ساعات عشرة ونص وساعات حداشر.
بصيت في الساعة.
كان الوقت لسه بعد الضهر.
ابني بيرجع من المدرسة، ويشتغل في البيت، وبعدها يحاول يذاكر لحد آخر الليل، وفي النهاية أنا بعاقبه لأنه مش بيجيب درجات زي الأول!
حسيت بالخجل من نفسي.
قلت له
إنت ليه ما قلتليش يا حبيبي؟
رد بسرعة
أنا ماكنتش عايز أزعلك.
الجملة دي كانت كفاية إنها تكسرني.
طفل عنده اتناشر سنة شايل هم إنه يزعل أبوه، لدرجة إنه مستعد يتعب ويسكت بدل ما يطلب المساعدة.
مديت إيدي ومسكت إيده.
أنا أبوك يا يوسف. المفروض إنت اللي تحكي لي لما تتعب، مش تخاف من زعلي.
عينيه لمعت، لكنه حاول يبتسم.
أنا مش تعبان أوي يا بابا.
عرفت إنه لسه بيحاول يخفف الحقيقة.
وقتها، قررت إني مش هضغط عليه بأسئلة أكتر.
قلت له
خلاص. النهارده مفيش شغل بيت، ومفيش مذاكرة زيادة. إنت هتاكل وترتاح، وبكرة هنتكلم براحتنا.
نجلاء اعترضت
إزاي يعني؟ ماينفعش تبوظ النظام اللي أنا عاملاه!
رديت بهدوء
النظام اللي أنا شفته مش نظام عادل.
في الليلة دي، يوسف نام بدري لأول مرة من فترة طويلة.
قبل ما يدخل أوضته، وقف عند الباب وسألني
بابا، هو أنا ممكن أسيب الآيباد معايا النهارده؟
السؤال فاجأني.
قلت
طبعًا يا حبيبي. ده جهازك.
قال
حتى لو ما خلصتش كل حاجة؟
حسيت إن قلبي اتقبض.
حتى لو ما خلصتش حاجة. إنت مش مطلوب منك تشتغل طول اليوم عشان تستحق تلعب.
بص لي شوية، كأنه بيحاول يتأكد إن الكلام حقيقي.
وبعدين دخل أوضته.
أما أنا، فاستنيت لحد ما نجلاء دخلت الصالة، وطلبت منها نقعد نتكلم.
قعدت قدامي وهي عاقدة دراعاتها.
بدأت كلامها قبل ما أتكلم
أنا عارفة إنك متضايق، بس لازم تفهم إن تربية الولاد مش بالهدايا والأجهزة. أنا اللي موجودة طول اليوم، وأنا اللي بشوف تصرفاتهم.
قلت
أنا متفق معاكي إن التربية مش بالهدايا. لكن التربية كمان مش إن طفل يشيل مسؤولية البيت كله، وطفل تاني ما يعملش حاجة.
قالت
يوسف محتاج يتعلم الاعتماد على نفسه.
قلت
وأنا معنديش مشكلة. لكن ليه عمر مش بيتعلم نفس الدرس؟
ردت
عمر حساس، ولو ضغطت عليه ممكن يتأثر نفسيًا.
بصيت لها طويلًا.
ويوسف مش حساس؟
ما ردتش.
كملت
يوسف عنده اتناشر سنة. ليه بيغسل الحمامات؟ وليه بينضف الجنينة لوحده؟ وليه لازم يستأذن عشان يلعب؟
قالت بانفعال
عشان يوسف مش بيسمع الكلام غير لما يحس إن فيه عواقب!
قلت
هو كان بيسمع الكلام لما عملنا الجدول الأصلي. إيه اللي اتغير؟
سكتت، وبعدها قالت
إنت مش شايف الصورة كاملة.
قلت
عشان كده هسمعها كاملة. لكن مش منك لوحدك.
وشها اتغير.
تقصد إيه؟
قلت
بكرة هنتكلم مع يوسف بهدوء، وهراجع جدول المهام، وهكلم المدرسة. ومش هعاقبه على أي حاجة قبل ما أفهم السبب.
قالت
يعني إنت مش واثق فيا؟
رديت
الثقة مش معناها إني أقفل عيني. أنا وثقت في كلامك قبل كده، وده خلاني أظلم ابني. مش هكرر الغلطة.
قامت من مكانها.
واضح إنك جاي من السفر وناوي تعمل مشكلة.
قلت
أنا جيت عشان أحل مشكلة موجودة من غير ما أعرف.
دخلت أوضتها وقفلت الباب بقوة.
وأنا فضلت قاعد في الصالة، لأول مرة من شهور، مش بفكر في أرقام المبيعات ولا الاجتماعات ولا السفر.
كنت بفكر في ابني.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.
لقيت يوسف نايم، فقررت أسيبه يرتاح شوية.
دخلت المطبخ، وعملت فطار بسيط، وبعدها قعدت أراجع الرسائل القديمة اللي بيني وبين نجلاء.
كل ما كنت أسألها عن يوسف، كانت بتقول إنه بخير، وإنه محتاج حزم، وإنه بيتأخر في المذاكرة.
وفي كل مرة كنت بصدقها.
لكن وأنا براجع الرسائل، لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها قبل كده.
من حوالي شهر، كنت بعت لنجلاء مبلغ إضافي عشان تجيب مستلزمات المدرسة للولدين، وأدوات مشروع العلوم بتاع يوسف.
ردت وقتها
حاضر، هجيب كل حاجة.
لكن بعد أسبوع، يوسف كلمني وقال إنه محتاج شوية أدوات لمشروع العلوم.
سألته
مش جبت لك الفلوس مع ماما نجلاء؟
رد
مافيش مشكلة يا بابا، هتصرف.
وقتها افتكرت إنه نسي يطلب منها، وما رجعتش أسأله.
دلوقتي، السؤال رجع يطاردني.
الفلوس راحت فين؟
فتحت حسابي البنكي من الموبايل، وراجعت التحويلات الأخيرة.
كان فيه مبلغ شهري ثابت بحوله لنجلاء لمصاريف البيت، وفوقه مبالغ إضافية في بعض الأسابيع.
لقيت تحويلات كتير متقاربة، بعضها لمتجر إلكترونيات، وبعضها لمتجر ملابس، وبعضها لمتجر ألعاب.
ماكانش في حاجة واضحة لوحدها تثبت أي شيء، لكن مجموع المبالغ كان أكبر بكتير من اللي توقعت.
وفي وسط الحسابات، افتكرت إن عمر كان جاله موبايل جديد من فترة، مع إني كنت فاكر إن والده القديم لسه شغال.
ما حبيتش أستنتج حاجة من غير دليل.
كتبت الملاحظات في ورقة، وقفلت الحساب.
بعد شوية، نزل يوسف للمطبخ.
كان شعره منكوش، وعينيه فيها آثار النوم، لكنه أول ما شافني وقف وقال
صباح الخير يا بابا. أنا هبدأ أنضف الصالة.
قلت له
صباح النور. مفيش تنظيف النهارده.
بص لي باستغراب.
بس ماما نجلاء قالت
قاطعته برفق
أنا عارف هي قالت إيه. النهارده إنت هتفطر معايا، وبعدها هنخرج نتمشى شوية.
قعد ببطء.
وأنا بحط له الأكل، لاحظت إنه بياكل بسرعة، كأنه مستعجل يقوم يعمل حاجة.
قلت
براحتك يا حبيبي. مفيش حد مستني منك حاجة دلوقتي.
حط الشوكة ونظر لي.
بابا، إنت زعلان مني؟
السؤال نزل عليّ زي الحجر.
ليه أكون زعلان منك؟
قال
عشان ماما نجلاء قالت إنك لو عرفت إني مش بخلص اللي عليا، هتفتكر إني بقيت مهمل.
حسيت إن الڠضب بدأ يتحرك جوايا، لكني سيطرت عليه.
قلت
بص لي يا يوسف. أنا زعلت من نفسي، مش منك. أنا أخدت قرارات من غير ما أسمعك، وده غلط مني.
سكت شوية، وبعدين قال
أنا حاولت أخلص كل حاجة يا بابا.
قلت
أنا مصدقك.
هنا، دموعه نزلت.
ماعيطش بصوت عالي، ولا رمى نفسه في حضڼي.
كل اللي عمله إنه حاول يمسح دموعه بسرعة، كأنه حتى البكاء لازم يخلصه قبل ما حد يشوفه.
قربت منه وضمّيته.
فضل ساكت فترة طويلة، وبعدها قال
أنا كنت بخاف أقول لك، عشان كنت فاكر إنك هتقول إني بغير من عمر.
غمضت عيني.
مين قال لك كده؟
رد
ماما نجلاء. كانت بتقول لي إنك مش بتحب العيال اللي بتشتكي، وإنك عايزني أبقى راجل وأستحمل.
حسيت إني عايز أقوم أواجهها في اللحظة دي، لكن يوسف كان محتاج يسمعني، مش يشوف خناقة جديدة.
قلت له
إنك تطلب المساعدة مش ضعف. وإنك تتكلم عن حاجة بټوجعك مش معناه إنك بتغير من حد. إنت ابني، ومن حقك تتعامل بعدل.
مسح دموعه وقال
طب لو عمر زعل؟
قلت
عمر مش عدوك، ومش مطلوب منك تتحمل الظلم عشان هو مايزعلش. إحنا هنحل الموضوع من غير ما نظلم حد.
فضل ساكت، وبعدها قال
أنا مش بكره عمر.
قلت
عارف.
قال
هو ساعات بيبقى كويس معايا، بس لما ماما تكون موجودة، بېخاف يساعدني.
السؤال ده خلاني أفهم إن المشكلة أكبر من مجرد جدول.
قلت
طب إنت بتحس بإيه لما تشوفه بيلعب وإنت بتنضف؟
فكر شوية.
بحس إني مش مهم.
وبعدها أضاف بسرعة
بس يمكن أنا غلطان.
مسكت كتفه.
إنت مش غلطان عشان زعلان من حاجة مش عادلة. إحساسك مهم يا يوسف، حتى لو إحنا محتاجين نفهم كل التفاصيل.
بعد الفطار، اتصلت بمدرسة يوسف وطلبت أقابل مدرس الفصل والمرشد الاجتماعي.
ما طلبتش منهم يحكموا على نجلاء، ولا قلت لهم إن فيه إساءة متعمدة.
طلبت بس أعرف إيه اللي اتغير في سلوك ابني، وإزاي نقدر نساعده يرجع لمستواه الطبيعي.
في المدرسة، قابلني مدرس الرياضيات، أستاذ شريف، وقال
أستاذ أحمد، أنا كنت قلقان من يوسف الفترة الأخيرة. الولد شاطر، وبيفهم بسرعة، لكن بقى