مراتي كانت بتخلي احمد عمار
ما تهاجم كل شخص بيواجهها بالحقيقة.
وافقت إنها تكمل الجلسات، لكني فضلت حذرًا.
الثقة مش بترجع بكلمة، ولا بمجرد إن الشخص يقول إنه ماكانش يقصد الأڈى.
الثقة بترجع لما السلوك يتغير باستمرار.
في نهاية الشهر التاني، جه اليوم اللي يوسف كان مستنيه.
مشروع العلوم.
كان اشتغل عليه في البيت، وساعده عمر في تركيب جزء من الجهاز، وأنا ساعدتهم في مراجعة القياسات.
يوم العرض، صحيت بدري عشان أوصله المدرسة.
وهو بيحط المشروع في العربية، قال لي
بابا، أنا خاېف مايعجبش المدرس.
قلت
إنت اشتغلت عليه، واتعلمت منه، ودي حاجة مهمة. مش لازم كل تجربة تنجح من أول مرة.
قال
بس أنا عايز أثبت إني أقدر.
بصيت له وقلت
إنت مش محتاج تثبت قيمتك لحد. إنت بس محتاج تعمل اللي تقدر عليه، والباقي هنتعلم منه.
في المدرسة، وقفت بعيد أراقبه وهو بيشرح مشروعه قدام المدرس وزمايله.
كان صوته بيرتعش في البداية، وبعدها بدأ يتكلم بثقة.
شرح إزاي الجهاز بيقيس تغيرات الجو، وإزاي لاحظ اختلاف القراءات خلال أيام مختلفة.
لما خلص، المدرس ابتسم وصفق له.
يوسف رجع ناحيتي وهو بيجري.
بابا! قال لي إن المشروع ممتاز!
حضنته وقلت
كنت عارف إنك هتعمل حاجة حلوة.
ضحك وقال
وعمر ساعدني في جزء كبير منه. لازم أقول له لما أرجع.
وقتها، عرفت إن ابني ماكانش محتاج ينتصر على عمر، ولا يثبت إنه أفضل منه.
كان محتاج بس فرصة عادلة، وبيت ما يعاقبوش على كونه طفلًا محتاجًا للراحة والحب.
لكن رغم التحسن، علاقتي بنجلاء ما رجعتش زي الأول.
بقينا بنتعامل باحترام، لكن الثقة اللي كانت بيننا اتأثرت بشدة.
وفي إحدى الجلسات، سألها المستشار إذا كانت مستعدة تعترف ليوسف إن الجدول اللي فرضته عليه كان غير عادل، وإنه ماكانش مسؤولًا عن اللي حصل.
نجلاء اترددت.
قالت
أنا ممكن أقول له إني آسفة لو هو زعل، لكن مش عايزة أحسسه إن كل اللي عملته كان غلط.
المستشار رد
الاعتذار الحقيقي مش معناه إنك شخص سيئ. معناه إنك بتعترفي بتأثير تصرفك، وبتتحملي مسؤوليتك عنه.
نجلاء ما وافقتش وقتها.
وبعد الجلسة، قالت لي
أنا مش هعتذر لطفل عشان يعرف إنه يقدر يفرض رأيه عليا.
وقفت قدامها، وقلت
الاعتذار مش تنازل عن مكانتك. والطفل اللي يعرف إن الكبير ممكن يغلط ويصلح غلطه، بيتعلم الاحترام الحقيقي، مش الخۏف.
قالت
إنت مش فاهم.
قلت
يمكن. لكن اللي فهمته إن يوسف كان خاېف يقول الحقيقة، وإن عمر كان خاېف يساعده، وإننا وصلنا لمرحلة لازم نختار فيها إذا كنا عايزين نصلح البيت فعلًا، ولا بس نرجع شكله من بره زي ما كان.
ما ردتش.
وفي الليلة دي، اتخذت قرارًا مهمًا.
مش هفضل أهدد بالانفصال، ولا هستخدم مستقبل الجواز كوسيلة ضغط.
لكن هحط حدودًا واضحة.
لو نجلاء مش مستعدة توقف التفرقة، وتحترم القواعد، وتتحمل مسؤوليتها عن اللي حصل، يبقى لازم نعيد تقييم استمرار حياتنا مع بعض.
مش انتقامًا منها، لكن حماية للولدين من إن المشكلة تتكرر.
بعد أيام، رجعت من الشغل ولقيت نجلاء قاعدة مع يوسف على السفرة.
كانت بتراجعه في واجب الرياضيات، وبتشرح له مسألة ماكانش فاهمها.
وقفت عند الباب أراقبهم.
لما شافتني، قالت
يوسف كان محتاج مساعدة في المسألة دي، فقلت أشرحها له.
قلت
كويس.
ما حاولتش أفسر الموقف أكتر من حجمه، ولا اعتبرته دليلًا إن كل حاجة اتصلحت.
لكن يوسف كان هادي، وبيسأل من غير خوف، ونجلاء كانت بترد عليه من غير ما تقلل منه.
بعد ما خلصوا، قامت تجيب له عصير.
يوسف بص لي وقال
بابا، ماما نجلاء ساعدتني النهارده.
قلت
حلو يا حبيبي.
سكت شوية، وبعدها قال
أنا نفسي الأمور تبقى كويسة بيننا كلنا.
حطيت إيدي على كتفه.
وأنا كمان. بس عشان الأمور تبقى كويسة، لازم كل واحد يحس إنه آمن، وإنه يقدر يقول اللي مضايقه من غير ما ېخاف.
هز راسه، ورجع يكمل واجبه.
مرت تلات شهور على الصورة اللي بعتها طنط فوزية.
تلات شهور غيروا حاجات كتير في البيت.
يوسف رجع لمستواه الدراسي، ورجع يلعب كورة، وكمل مشروع العلوم بتاعه.
عمر بدأ يشارك في مسؤوليات البيت بشكل طبيعي، وبقى يقعد مع يوسف يلعبوا سوا من غير ما يحس إنه لازم يكسب كل مرة.
وأنا اتعلمت أكون حاضر فعلًا، مش مجرد شخص بيوفر الفلوس ويطمن على البيت بمكالمة فيديو.
لكن التغيير الأكبر حصل في يوم عادي جدًا.
كنت براجع شغلي في الصالة، ويوسف دخل وقال
بابا، أنا محتاج أقول لك حاجة.
قفلت اللابتوب فورًا.
اتفضل يا حبيبي.
قال
أنا مش عايز أروح زيارة عند خالتي نجلاء الأسبوع الجاي.
نجلاء كانت عايزة الولدين يزوروا أختها، ويوسف كان متردد من يوم ما عرف بالزيارة.
سألته
ليه؟ حصل حاجة؟
قال
أنا مش مرتاح هناك. آخر مرة، خالتي فضلت تقول لي إني لازم أساعد عمر وأكون قدوة ليه، وإن الولد اللي ما يساعدش يبقى أناني.
اتضايقت، لكني ما قاطعتهوش.
كمل
أنا عارف إن المساعدة مش غلط، بس أنا مش عايز حد يفضل يحسسني إني لازم أعمل كل حاجة عشان أثبت إني كويس.
قلت
فاهمك. هنراجع الموضوع، ومش هنجبرك تروح مكان إنت مش مرتاح فيه من غير ما نفهم السبب.
بص لي طويلًا، وبعدها قال
أنا كنت خاېف تقول لي إني مكبر الموضوع.
حسيت إن اللحظة دي أهم من أي درجة أو جائزة.
قلت
أنا ممكن أختلف معاك في بعض القرارات، لكن مش هقلل من إحساسك. هنسمع بعض، وهنوصل لحل.
يوسف ابتسم.
شكرًا يا بابا.
بعد ما دخل أوضته، فضلت قاعد أفكر.
قبل شهور، كان ابني بيعتذر عن وقت الفراغ، وبيخاف يطلب المساعدة، وبيسكت عشان مايزعلنيش.
دلوقتي، بقى يقدر يقول لي إنه مش مرتاح، وهو واثق إني هسمعه.
وده كان التغيير اللي كنت محتاج أشوفه.
في نهاية الشهر التالت، قررت أجمع العيلة على العشا.
مش عشان نحتفل بانتصار، ولا عشان نعلن إن المشكلة انتهت، لكن عشان نتكلم عن اللي اتغير، وإيه اللي لازم نحافظ عليه.
قعدنا كلنا على السفرة، أنا ويوسف وعمر ونجلاء.
بعد الأكل، جبت الجدول الأصلي اللي عملناه في يونيو، وكان لسه عندي نسخة منه.
حطيته على السفرة.
يوسف ابتسم لما شاف الرسومات اللي رسمها بنفسه.
قلت
فاكرين اليوم اللي عملنا فيه الجدول ده؟
عمر قال
أيوه، أنا رسمت النجوم.
يوسف ضحك
وإنت بوظتلي الكورة اللي رسمتها.
عمر رد
ما أنا كنت بحاول أظبطها!
ضحكوا الاتنين.
استنيت لحد ما هديوا، وبعدها قلت
أنا عايز أقول لكم حاجة. الجدول ده كان المفروض يساعدنا نعيش مع بعض بشكل أحسن، لكن في فترة من الفترات، اتغير بطريقة خلت يوسف يتحمل أكتر من حقه، وخلت عمر مايتعلمش المسؤولية بالشكل الصحيح.
عمر نزل عينيه.
قلت له
وده مش معناه إنك طفل وحش، ولا إن يوسف أحسن منك. معناه إن الكبار أحيانًا بياخدوا قرارات غلط، ولازم يصلحوها.
بعدها بصيت ليوسف.
وأنا كمان غلطت لما صدقت كلام غيرك قبل ما أسمعك، وعاقبتك من غير ما أفهم ظروفك. أنا آسف يا ابني.
يوسف رفع عينيه بسرعة.
ماكانش متوقع إني أعتذر له قدام الكل.
قلت
أنا مش هقدر أرجع الوقت اللي فات، لكن أقدر أوعدك إني مش هكرر نفس الغلطة. لو فيه حاجة مضايقاك، هسمعك. ولو أخطأت، هحاسبك على خطأك الحقيقي، مش على حاجة حد قالها عنك.
عمر قال بهدوء
وأنا آسف إني ما ساعدتكش يا يوسف.
يوسف رد
خلاص يا عمر. المهم إننا نبقى كويسين.
وبعدها ساد الصمت.
كنت مستني نجلاء تقول حاجة، لكنها فضلت باصة للجدول.
وبعد دقيقة، رفعت عينيها وقالت
أنا كنت فاكرة إني بحمي عمر، لكن يمكن خۏفي خلاني أظلم يوسف.
كانت أول مرة تقول الجملة دي بصراحة.
يوسف ما ردش.
ما طلبتش منه يسامحها، وما ضغطتش عليه
