مراتي كانت بتخلي احمد عمار
بينام أحيانًا في أول الحصة، وبينسى أدواته، وبيسلم الواجب ناقص.
سألته
هل اشتكى من حاجة في البيت؟
قال
ما اشتكاش بشكل مباشر. لما سألته إذا كان فيه حاجة مضايقاه، قال إنه بس مش بينام بدري. ولما حاولت أعرف السبب، قال إنه بيساعد في البيت.
سألته
ساعد إزاي؟
قال
قال إنه مسؤول عن حاجات كتير، لكنه رفض يدخل في تفاصيل.
طلبت أشوف درجاته وواجباته خلال الشهرين اللي فاتوا.
كانت النتائج واضحة.
يوسف ماكانش مهمل طول الوقت، بالعكس، كان مستواه ممتازًا قبل سفري المتكرر، وبعدها بدأ تركيزه يقل تدريجيًا.
وفي ملف مشروع العلوم، لقيت ملاحظة مكتوبة من المدرس إن يوسف ما سلّمش المشروع النهائي في موعده.
قلت
هو كان متحمس للمشروع ده جدًا.
رد أستاذ شريف
كان فعلًا. لكن يوم التسليم جه من غير الأدوات المطلوبة، وقال إنه ماقدرش يكمل.
حسيت بالذنب، لأن ابني كان بيحاول يعمل حاجة بيحبها، وأنا كنت بعيد عنه، ومش واخد بالي إنه بيفقد حتى الحاجات اللي بتفرحه.
طلبت نسخة من الملاحظات، وشكرت المدرس.
قبل ما أمشي، قال لي
أهم حاجة يا أستاذ أحمد، ماتخليش يوسف يحس إن درجاته هي اللي بتحدد قيمته عندك. الولد محتاج يحس إنه مسموع، قبل ما نطالبه يرجع زي الأول.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الطريق.
لما رجعت البيت، لقيت نجلاء في الصالة، وعمر قاعد جنبها.
قالت
كنت فين؟
قلت
في المدرسة.
رفعت حاجبها.
ليه؟
عشان أفهم سبب تراجع يوسف.
ردت بحدة
يعني إنت مش مصدقني لسه؟
قلت
أنا مصدق إن فيه مشكلة، وعايز أعرف أسبابها كلها.
قالت
أنا قلت لك إنه كسلان ومحتاج نظام.
قلت
المدرس بيقول إنه كان ملتزم جدًا، وإن التراجع بدأ لما زادت عليه المسؤوليات.
نجلاء بصت لعمر، وبعدها رجعت بصت لي.
المدرس مش عايش معانا. هو بيشوفه كام ساعة في اليوم، وأنا اللي شايلة المسؤولية.
قلت
المسؤولية مش معناها إننا نحمل طفل فوق طاقته.
قالت
إنت جاي تحاسبني؟
قلت
أنا جاي أوقف اللي بيحصل، وأفهمه.
عمر كان ساكت طول الوقت، لكن فجأة قال
بابا أحمد، أنا ممكن أقول حاجة؟
نجلاء التفتت له بسرعة.
عمر، روح أوضتك.
بص لها، وبعدها بص لي.
أنا قلت
لو عندك حاجة عايز تقولها، اتكلم.
قالت نجلاء
هو مش فاهم حاجة.
عمر بدأ يحرك صوابعه بتوتر.
ماما بتقول لي ماعملش شغل يوسف، عشان لو ساعدته هيتعود إنه يخليني أعمل حاجات مكانه.
نجلاء شهقت
عمر! إنت بتقول إيه؟
كمل الولد بصوت مهزوز
وقالت لي كمان إني ما أديهوش الآيباد لو خلص شغله، عشان مايحسش إنه زيي.
أنا حسيت إن كل حاجة جوايا وقفت.
بصيت لنجلاء.
يعني إيه مايحسش إنه زيك؟
ردت بانفعال
الولد بيحكي كلام مش فاهمه!
لكن عمر كمل
أنا سألتها مرة ليه يوسف بينضف وأنا لأ. قالت لي إن يوسف لازم يتعلم إن البيت ده مش بتاعه لوحده، وإنه لو عايز يعيش مرتاح هنا، لازم يثبت إنه يستاهل.
يوسف كان واقف عند باب المطبخ، وسمع الكلام.
وشه شحب، ونزل عينيه للأرض.
نجلاء قامت بسرعة ومسكت إيد عمر.
تعالى معايا.
قلت
سيبيه يكمل لو عايز.
صړخت
إنت مش هتخليني أربي ابني بطريقتك!
قلت بهدوء شديد
وأنا مش هسمح إن ابني يتعامل كأنه أقل من أي حد في بيته.
قالت
ده بيتي زي ما هو بيتك!
رديت
بالضبط. وبيت العيلة المفروض يكون مكان آمن لكل طفل فيه، مش مكان طفل يخدم فيه طفل تاني.
عمر بدأ يعيط.
مشيت ناحيته، وقعدت قدامه.
إنت مش هتتعاقب عشان حكيت اللي حصل. إنت عملت الصح لما قلت الحقيقة.
بص لي پخوف.
ماما هتزعل مني.
قلت
أنا هتكلم معاها. إنت مش مسؤول عن زعل الكبار لما الحقيقة تظهر.
نجلاء خرجت من الصالة وهي بتقول
أنا مش هقبل الإهانة دي.
ما جريتش وراها، وما دخلتش معاها في جدال جديد.
كان واضح إن المشكلة مش مجرد سوء تنظيم، وإن لازم أفهم إذا كانت فيه أمور تانية بتحصل من ورايا.
في المساء، بعد ما الولدين دخلوا أوضهم، طلبت من نجلاء نقعد مرة أخيرة ونتكلم بهدوء.
قلت لها
أنا مش جاي أعمل ڤضيحة، ولا عايز أظلمك. لكن اللي حصل لازم يتوقف.
ردت
إنت مصدق طفلين، ومش مصدق مراتك اللي عايشة معاك؟
قلت
أنا مصدق اللي شفته، واللي سمعته، واللي ظهر قدامي من أكتر من مصدر.
قالت
أنا عملت كده لمصلحة يوسف.
سألتها
إزاي؟
قالت
عشان مايكبرش مدلل. إنت بتديله كل حاجة، وبتعامله كأنه مفيش حد زيه. كنت عايزاه يعرف إن الحياة مش سهلة.
قلت
تعليمه المسؤولية مش معناه حرمانه من الراحة، ولا تحميله شغل أكبر من سنه.
ردت
إنت مش فاهم. يوسف طول الوقت واخد اهتمامك كله، وعمر لازم يكون له مكان في البيت ده.
بصيت لها باستغراب.
أنا عمري ما قصرت مع عمر.
قالت
لكن يوسف ابنك، وفي الآخر إنت هتختاره لو حصلت مشكلة بينه وبين عمر.
فهمت وقتها إن جزءًا من اللي بيحصل كان نابعًا من خۏفها من مكانة يوسف في حياتي.
لكن الخۏف مش مبرر للظلم.
قلت لها
إنت كنتِ خاېفة إن يوسف ياخد مكان عمر، فقررتي تخلّي يوسف يحس إنه أقل منه؟
ما ردتش.
كملت
إنتِ مش بتحمي ابنك بالطريقة دي. إنتِ بتعلميه إن القوة معناها إنه ياخد حقه من الأضعف.
قالت
أنا ما أذيتوش. كنت بخليه يساعد في البيت.
قلت
لو كانت مساعدة، كان الجدول هيبقى عادل. ولو كانت تربية، كان عمر هيشارك فيها. لكن إنتِ عملتي نظام لابني ونظام تاني لابنك.
ردت
أنا حرة في تربية ابني.
قلت
وأنا مسؤول عن حماية ابني.
سكتنا فترة طويلة.
وبعدين قالت
يعني إنت ناوي تعمل إيه؟
قلت
من النهارده، مفيش مهام منزلية مفروضة على يوسف بالشكل ده. هيرجع لجدول عادل مناسب لسن الولدين، وأنا هتابع بنفسي. وأي مشكلة في المدرسة أو البيت، هسمع منه قبل ما أعاقبه.
قالت
وإنت فاكر إنك هتقدر تتابع وإنت شغلك كله سفر؟
قلت
أنا هغيّر نظام شغلي. ودي مسؤوليتي أنا، مش مسؤولية يوسف.
رفعت صوتها
يعني هتضحي بشغلك عشانه؟
رديت
أنا مش بضحّي بشغلي. أنا بصحح أولوياتي.
وبعدها قلت لها بوضوح
وفيه حاجة تانية. مش هسمح باستخدام الفلوس أو الأجهزة أو وقت اللعب كوسيلة للضغط على يوسف. أي عقاپ لازم يكون عادل، ومتناسب مع الغلط الحقيقي، ومش مبني على كلام طرف واحد.
قامت من مكانها وقالت
واضح إنك واخد قرارك من غير ما تسمعني.
قلت
أنا سمعتك. وسمعت يوسف. وسمعت عمر. وشفت بعيني. المشكلة مش إني مش سامعك، المشكلة إن كلامك مش متوافق مع اللي حصل.
دخلت أوضتها، وأنا فضلت قاعد.
كنت عارف إن المواجهة مش هتخلص في يوم، وإن إصلاح اللي حصل ليوسف محتاج وقت.
لكن على الأقل، لأول مرة من شهور، ما بقاش مضطر يواجه المشكلة لوحده.
في اليوم التالي، طلبت من نجلاء نعمل اجتماع عائلي بسيط، من غير صړاخ ولا اټهامات.
قعدنا في الصالة، أنا ويوسف وعمر ونجلاء.
جبت ورقة جديدة، وقلت
هنعمل جدول جديد، بس المرة دي هنحط قواعد واضحة للكل.
يوسف كان ساكت، وعمر قاعد متوتر.
قلت
أول قاعدة كل واحد مسؤول عن حاجاته الشخصية، زي ترتيب سريره، وتجميع أدواته، والحفاظ على أوضته نظيفة.
عمر هز راسه.
كملت
تاني قاعدة شغل البيت المشترك بيتقسم بين الكل بشكل مناسب للسن والقدرة، والكبار مسؤولين عن المهام اللي محتاجة مجهود أو خبرة.
وبعدها بصيت للولدين.
تالت قاعدة مفيش حد منكم مسؤول عن راحة التاني. يوسف مش خادم لعمر، وعمر مش مطالب يخدم يوسف. إنتوا إخوات في البيت ده، وكل واحد فيكم له حقوق وعليه مسؤوليات.
عمر بص ليوسف وقال
أنا آسف.
يوسف رفع عينيه له.
عمر كمل
أنا كنت عارف إنك بتعمل حاجات كتير، بس كنت بخاف أساعدك عشان ماما كانت بتزعق لي.
يوسف فضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا مش زعلان منك لوحدك.
قلت
ومش مطلوب من أي حد يسامح بسرعة. المهم
