دعوة أمانى سيد الرابع

مرت سنتان إضافيتان، ووصلت رحلة العذاب إلى محطتها الأخيرة، المحطة التي لم يكن فيها مكان لأي أمل، بل كان الجحيم فيها يكتمل في صوره.

في تلك الأيام، كان فالح قد فقد كل مقومات الحياة البشريّة. لم يعد يزحف، ولم يعد يملك حتى القدرة على الحشرجة أو البكاء. جسده المنهك تيبّس بالكامل، والقروح أكلت ما تبقى من جلده حتى وصلت إلى العظام. كان يرقد على تلك المرتبة المفعوصة في الأوضة الجوانية، كأنه هامدة ترفض الروح أن تفارقها إلا بعد أن تستوفي آخر قطرة من العذاب.

وفي ليلة شتاء شديدة البرودة، وبينما كانت الرياح نوافذ المكسورة، سمعت صوته يخرج كأنه ينبعث من قاع بئر عميق. كان ينادي باسمي بنبرة خافتة للغاية. دخلت عليه الغرفة، ورأيت عينيه المنطفئتين متثبتتين نحو السقف الضلمة.

رمس بصوت ميت وقال: “سعاد… أنا شايف نور… شايف مروة واقفة بعيد ومسكة إيد أحمد… قولي لها تسامحني يا سعاد… قولي لها تخرجني من الضلمة دي…”

جلست على الأرض بجانبه، ولم أعد أشعر بأي غل أو شفقة؛ كان قلبي قد تحجر تماماً. مسكت إيده الباردة المشوهة، وقلت له بصوت خافض: “المسامحة مش هنا يا فالح… المحكمة اتقفلت في الدنيا، وفاضل محكمة السماء.”

سكن جسده فجأة، وأخرج نفساً طويلاً أخيراً، وانطفأت أنفاسه للأبد. مات فالح في تلك الضيقة المظلمة، مات أعمى، مشوهاً، لا حيلة له ولا مال، بعد أن أخذ عقابه كاملاً غير منقوص عن كل لحظة ظلمها لمروة ولكل من حوله.

عندما أدركت أنه فارق الحياة، لم أصرخ ولم ألطم. اتصلت بالشرطة وبالمحامي الأستاذ رمزي. وفي خلال ساع ممتلئة برجال الإسعاف والمباحث لإتمام إجراءات الدفن الطبيعية.

وفي الصباح، أُقيمت الجنازة. لم يمشِ فيها أحد من معارفه أو أصدقاء الماضي، ولا حتى هلا التي نسيها ونسيته منذ سنوات. كنت أسير خلف النعش وحدي بعبايتي السوداء المتهالكة. ولكن عند باب المقابر، توقفت سيارة سوداء فخمة.

نزل منها الشاب المهندس أحمد، ونزلت خلفه مروة. كانت ترتدي الثياب السوداء الشيك، وتقف بوقار وهيبة. لم تقترب مروة من النعش، بل وقفت على بعد خطوات تراقبه وهو تحت التراب.

بعد أن انتهى الدفن، جاء أحمد ووقف أمامي لثوانٍ. نظرت في وجهه، فرأيت ملامح فالح الشابة القديمة، لكن بعيون مروة ونظرتها الصارمة. لم يقل لي كلمة واحدة، بل وضع في إيدي مظروفاً أبيض، ثم التفت ومشى مع أمه وركبا السيارة وانطلقا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *