دعوة أمانى سيد الرابع

أنا بقيت بصة للمحامي وبصة لمروة مش فاهمة، أو بمعنى أصح.. مش عايزة أفهم حجم المصيبة.

مروة قربت مني، ومسكت التقرير ورمته في حجري، وقالتلي بصوت واطي يقطّع العرق:

ـ “فهمتي يا سعاد؟ التقرير ده بيقفل آخر باب أمل كان عندكم. أخوكِ مش هيرجع يصبر، ومش هيرجع يشوف، ومش هيرجع معاه جنيه واحد. أنتم دلوقتي بقيتم رسمي تحت إيداي بالقانون وبأوراق المحكمة. الـ ألفين جنيه اللي بديهالك كل شهر.. بقت هي أصل دخلك الوحيد في الدنيا دي كلها. هتفضلي تقعدي تحت رجليه، تنظفي قرفه، وتديه المسكنات عشان ما يصرخش، وتعيشي في الشقة اللي بقت ملك لابني أحمد، لحد ما واحد فيكم يروح لربنا!”

فالح كان قاعد يسمع الكلام وهو بيصرخ ويبص في الضلمة، بيحاول يمسك في هدوم مروة ويقول:

ـ “سامحيني يا مروة! اغفريلي يا أم أحمد! أنا آسف.. أنا كنت ندل وحقير! ارحميني يا مروة!”

مروة سحبت طرف عبايتها الفاخرة من إيده برفض وقرف، وقالت وهي بتبص له من فوق:

ـ “الرحمة راحت يوم ما سيبتني في الشارع وبخلت عليا وعلى ابنك باللقمة وأنت معاك ملايين.. اتهنى بالضلمة يا فالح، وأنتِ يا سعاد.. اتهني بشغل الشغالة اللي كنتِ عايزة تجيبيني أعمله عندك!”

سابتنا مروة وخرجت من المستشفى وهي مرفوعة الرأس، ومشي وراها المحامي والأطباء بيحيوها باحترام.

فضلت أنا وفالح قاعدين في القاعة الفاضية. هو بيصرخ ويبكي على الأرض، وأنا ماسكة التقرير الطبي والأوراق في إيدي، وببص للسقف النظيف الفخم بتاع المستشفى، وأنا عارفة إننا طالعين منه راجعين على مقبرتنا القديمة.. عشان أبدأ جولة جديدة من المسح والنظافة والخدمة.. في القصة اللي ما ليهاش نهاية!

مرت شهور وسنوات، والأيام بقت بتجري زي مية وسخة في قناة مسدودة. الأمل اللي كان بيلوح زمان إن في معجزة ممكن تحصل أو إن مروة قلبها يلين،

فالح بقى مجرد هيكل عظمي متغطي بجلد مشوه ، الحركة عنده تقريباً، ومفاصل إيديه ورجليه اتيبست في وضعية انحناء مرعبة. صوته اللي كان زمان يصرخ ويهز البيت، اتمحى وبقى عبارة عن حشرجة ضعيفة يادوب بتتسمع لما أقرب ودني من بقه. والذاكرة عنده بدأت تتآكل؛ بقى ينسى الأسماء، ينسى إننا في القاهرة، ينسى إن هلا سابته وهربت من سنين، وكان يصحى في نص الليل يصرخ بصوت مخنوق ويسألني: “يا سعاد.. هي هلا اتأخرت في الكوافير ليه؟ قولي للسواق يجهز العربية عشان نلحق العشا في شرم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *