دعوة أمانى سيد الرابع
كنت أبص له بنظرة قرف وشفقة مخلطين ببعض، وأقوله بقسوة:
ـ “لحمة إيه يا فالح؟ أنت ناسي إننا عايشين بصدقة مروة؟ ناسي إن الـ ٥ مليون بتوعك مروة عملت بيهم شركة استيراد وتصدير باسم ابنك أحمد؟ اسكُت ونام بدل ما أرميك في الشارع وأسيبك للكلاب!”
وفي يوم من أيام الشتا الثقيلة، المية قطعت في العمارة بسبب في الخط الرئيسي تحت. الشقة كانت مكركبة، وفالح كان عامل حادثة على نفسه على السرير بسبب مرضه وتيبس حركته. الريحة بقت لا تطاق، وما كانش عندي نقطة مية واحدة أغسل بيها أو أنظف تحته.
قعدت على الأرض وبكيت بحرقة. بكيت على حظي، وعلى السنين اللي ضاعت، وعلى العز اللي كنت بأحلم بيه لما كنت بشجع فالح يطلق مروة ويجيب هلا. في اللحظة دي، سمعت خبط على الباب.
قمت ببطء، فتحت الباب وأنا حاطة الطرحة على وشي من كتر الخجل.
كانت واقفة قدامي “أم هاني”، جارتنا القديمة اللي كانت شافت مروة زمان بتخدم في البيوت. أم هاني بصتلي من فوق لتحت، وعينيها مليانة نظرة شفقة وشماتة متدارية، وكانت شايلة في إيدها طبق أكل حاف.
قالتلي بنبرة متصنعة الحنية:
ـ “إزيك يا سعاد.. معلش سمعت إن المية قطعت عندكم، فقلت أجيبلك حبة مية في الجردل ده، وطبق رز وشوربة لأخوكي.. كسر خاطري لما سمعت صريخه البارحة.”
مديت إيدي أخدت الجردل وطبق الرز، وقلت بصوت واطي ومكسور:
ـ “تسلمي يا أم هاني.. ربنا يجعله في ميزان حسناتك.”
أم هاني اتسندت على الباب وبصت لداخل الشقة الضلمة، وقالتلي بصوت واطي فيه خباثة:
ـ “والله يا سعاد، الدنيا دي غريبة أوي! أدي مروة اللي كانت بتيجي تنظفلك الشقة بـ ١٥٠ جنيه وتطاطي راسها، بقت هي هانم المنطقة! الأسبوع اللي فات شفتها نزلّة من عربية جيب فاخرة، ولابسة دهب يشيل حيل بلد، ومودية أحمد ابنها معسكر كورة في أوروبا! والناس كلها بتتكلم عن أدبها وجمالها وخيرها اللي بتوزعه على الفقراء.. سبحان مغير الأحوال، من بعد ما كانت خدامة عندك، بقيتي أنتِ اللي…”
ما كملتش جملتها، بس أنا فهمت باقي الكلام. قلبي اتعصر زي الليمونة، وجسمي كله بدأ يترعش من الغل والاهانة.
قلت لها بحدة وأنا بصلح الباب في وشها:
ـ “شكراً يا أم هاني.. الأكل والمية وصلوا، استأذنك بقى عشان ألحق أنظف لأخويا.