دعوة أمانى سيد الرابع
فالح حرك رقبته المشدودة بالعافية، وحاول يفتح جفونه الملتصقة، وطلعت منه نبرة مبحوحة ومكسورة:
ـ “أحمد؟.. ابني أنا؟.. أحمد جاء يشوفني يا سعاد؟ جابلي معاه الدوا واللحمة؟”
دموعي نزلت بسخونة على وشي، وقلتله بقسوة:
ـ “يجي يشوفك إيه يا فالح؟ أنت بالنسبة له مش موجود! مروة كشفتله الحقيقة كاملة لما كبر، قالتله إن أبوه رماه وهو طفل عشان يجرِي ورا النسوان والعز، وإن أمك هي اللي شالتك وعملتك راجل! أحمد لو شافك النهاردة مش هيعرفك.. أنت بالنسبة له الغريب اللي أمته!”
فالح حط إيديه المكتوية على وشه، وبدأ يبكي بكاء مرير، بكاء راجل أدرك إن حياته كلها اتسرقت منه، وإن العقاب ما كانش بس الحروق والعمى، العقاب الحقيقي كان إنه يشوف ثمرة عمره بتكبر وتزهو بعيد عنه، وهو محبوس في جحر ضلمة ملوش أي قيمة!
وفي الموعد المحدد لحفل التخرج، أنا ما قدرتش أقاوم الفضول والغل اللي كان بياكل في قلبي. سبت فالح نايم بعد ما اديته جرعة مسكن قوية، ولبست عبايتي القديمة وطرحتي، ورحت عند مقر الجامعة من برة.
وقفت ورا السور الحديدي العالي، وسط الشجر، مستخبية زي الحرامية، بتفرج على العربيات الفاخرة وهي داخلة وخارجة، والطلاب والطالبات بالروب الأسود وقبعات التخرج.
وفجأة.. شفتهم!
نزل أحمد من عربية مرسيدس بيضاء أحدث موديل. كان طالع زي الفلك، طول بعرض، وشه ينضح بالذكاء والجمال والهيبة، لابس روب التخرج وماسك في إيده شهادة تقدير.
ومن الباب التاني للعربية.. نزلت مروة!
مروة كانت ساحرة. لابسة فستان فاخر بلون الزمرد الأخضر، وحجاب حرير أبيض، والمجوهرات بتلمع على رقبتها وإيديها. كانت ماشية مرفوعة الرأس، والابتسامة مالية وشها، وكل الناس ورجال الأعمال والعمداء بالجامعة بيسلموا عليها ويحيوها باحترام شديد كأم مثالية ورائدة أعمال ناجحة.
أحمد قرب من أمه مروة، وحضنها قدام كل الناس، ووطى على إيدها باسها، وأخد قبعة التخرج بتاعته وحطها على رأسها وهو بيبكي من الفرحة ويقول بصوت عالي مسموع:
ـ “الشهادة دي مش ليا يا أمي.. الشهادة دي ليكي أنتِ! أنتِ اللي تعبتِ، أنتِ اللي شقتي، وأنتِ اللي صنعتيني من العدم لما أقرب الناس لينا رمانا في الشارع!”
الناس كلها قعدت تسقف وتصفق بحرارة، ومروة كانت بتاخد الحضن وعينيها بتلمع بفخر وعز لا يوصف.
