دعوة أمانى سيد الرابع

أنا كنت واقفة ورا السور، بدمع وبشهق بالبكاء ورا الشجرة. كنت بشوف المشهد ده وأفتكر يوم ما مروة كانت بتيجي عندي الشقة، تبكي وتطاطي رأسها عشان تاخد الـ ١٥٠ جنيه، وأنا أقولها “المفروض تخدميني ببلاش”. دلوقتي مروة بقت هي المَلكة، وابنها بقى الأمير، وأنا وأخويا بقينا القمامة اللي اترمت في مزبلة التاريخ!

التفتت مروة فجأة ناحية السور.. كأنها حست بوجودي، أو كأن عين الشر والغل اللي طالعة مني لمستها.

بصت ناحية الشجرة اللي أنا مستخبية وراها. شافتنِي!

ما ارتبكتش، ولا خبت وشها. وقفت مكانها، وابتسمتلي نفس الابتسامة الباردة الشاحبة بتاعة ليلة الفيلا. رفعت كاس العصير اللي كان في إيدها في الهواء ناحيتي، كأنها بتمسيني، كأنها بتقولي: “شفتي يا سعاد؟ شفتي العدل لما يكتمل؟”

وبعدين التفتت لابنها أحمد، وأخدته من إيده ودخلوا القاعة الكبيرة للجامعة، والأبواب المذهبة اتقفلت وراهم، وسابوني واقفة برة في البرد والشارع، زئير السيارات بياكل في صدري.

رجعت الشقة وأنا مش حاسة برجليا. فتحت الباب، لقيت ريحتها جير ومطهرات ودم ميت. فالح كان صحي من المسكن، وقاعد على الأرض بيحاول يزحف ناحية المطبخ عشان يدور على مية، وكوباية الماستك اتكسرت تحت إيديه والدم كان ينزل من صوابعه.

قعدت على الأرض جنبه، وما حاولتلكش أنظف الدم ولا أرفعه.

فالح رفع وشه الأعمى وقال بصوت مرعوب:

ـ “سعاد؟ أنتِ جيتي؟ أحمد اتخرج يا سعاد؟ قال إيه عني؟ سأل عليا؟”

بصيتله بأعطس ونظرة ميتة، وقلتله بصوت أبرد من برودة الشارع:

ـ “أحمد اتخرج يا فالح.. بقى مهندس أقد الدنيا. وقال قدام مصر كلها إن أمه مروة هي اللي عملته، وإن أبوه كان مجرد كابوس وانتهى.. أحمد حط القبعة على رأس مروة وقالها ‘أنتِ ملكتي’.”

فالح حط وشه في الدم اللي على البلاط، وبدأ يصرخ صريخ مكتوم، يضرب جبهته المحروقة في الأرضية المكسورة، وبيستغيث بالمرض والموت عشان يريحه من الوجع.

أنا قمت ببطء، جابت الجردل والممسحة، ودلقت المية والكلور على البلاط حوليه، وبدأت أمسح.. أمسح الدم، وأمسح القرف، وأمسح البكاء بتاعه، وأنا عارفة إن الجزء الأخير من حياتنا قرب يتقفل.. بس النهاية مش هتكون رحمة، النهاية هتكون الحساب الأخير اللي كلنا هنشهده!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *