الخديعه محمد نور

لم أذكر عمر، لم أكن بحاجة لذلك.

 

في أحد الأيام استلمتُ طرداً بداخل برواز فيه الصحيفة التي ذكرت شركتي كواحدة من الواعدات.

 

وفي الخلف كانت هناك ملاحظة بخط اليد:

«كنتِ دائماً بارعة في هذا. أسف لأنني تأخرتُ في رؤية ذلك.»

عمر.

 

لم أرد فوراً، علقتُها في غرفة الاجتماعات.

 

وبعد أسبوعين أرسلتُ له صورة:

«تبدو جيدة هنا.»

 

رد عمر:

«يسعدني ذلك.»

 

كان هذا كل شيء.

 

لمدة عام تقريباً اقتصرت علاقتنا على رسائل مقتضبة: تهنئة بمناسبة، أو نجاح عملي.

 

عمر أيضاً تغير؛ فقد أدخلت الشركة سياسات جديدة للشفافية بعد فضيحة مازن، وترقى طارق، وبدأت والدته تتعالج نفسياً — وهو ما لم أتوقع حدوثه أبداً.

 

وباع عمر القصر الرئيسي، ولم يحتفظ سوى بالبيت الصغير في الحديقة باسمي.

 

في أحد الأيام ذهبتُ هناك لأخذ آخر الصناديق، وكان هو في الحديقة. لم يكن يعلم أنني قادمة.

 

— “أهلاً” قالها.

 

— “أهلاً.”

 

كانت هناك مجرفة عند قدميه:

— “ماذا تفعل؟”

 

— “أحاول إنقاذ شجيرات الورد الخاصة بجدتي.”

 

نظرتُ إلى الأغصان شبه الميتة:

— “أنت تغرقها بالماء.”

 

قطب حاجبيه:

— “المزارع قال إنها بحاجة للماء.”

 

— “ليس ثلاث مرات في اليوم!”

 

— “هذا يفسر بعض الأشياء.”

 

ضحكتُ رغماً عني، وابتسم هو أيضاً.

 

للحظة تذكرتُ ذلك المستشفى؛ أول ابتسامة رأيتها منه منذ ثلاث سنوات كانت لطفل ظنه ابنه، والان يبتسم لي.

 

والغريب أنه لم يعد يؤلمني.

 

— “هل تشربين القهوة؟” سألني.

 

فكرتُ في الرفض، ثم نظرتُ للحديقة:

— “فنجان واحد.”

 

جلسنا في الشرفة. لم نتحدث عن الماضي في أول عشرين دقيقة، بل تحدثنا عن العمل، وعن والده، وطارق، وشجيرات الورد.

 

كان الأمر غريباً، ربما لأننا لأول مرة لم نكن زوجاً وزوجة؛ فلا توقعات ولا واجبات، مجرد شخصين يتعلمان كيف يتحادثان.

 

قبل أن أغادر، قال عمر:

— “نور.”

 

— “نعم؟”

 

— “لن أطلب منكِ العودة.”

 

نظرتُ إليه:

— “جيد.”

 

— “لكن إن أردتِ شرب فنجان قهوة آخر يوماً ما…”

 

ابتسمتُ خفيفاً:

— “تعلم أولاً كيف تعتني بشجيرات الورد.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *