بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الاول

ناديت بصوت واطي ومبحوح، صوت واحد مرعوب يصحى من كابوس: “يا حبيبتي؟ يا نور؟ إنتي فين يا بنتي؟”.
محدش رد. قربت من الدولاب، فتحت الدرفة بإيد بتترعش.. الهدوم كلها مش موجودة. رفوف كاملة فاضية، الشماعات اللي كانت متعلق عليها فساتينها وهدوم كليتها بتهتز في الفراغ وبتخبط في بعضها بصوت كئيب. الشنطة الكبيرة اللي كنا بنسافر بيها زمان على البحر مش موجودة فوق الدولاب.
رجعت خطوتين لورا، ورجلي خبطت في المكتب الصغير اللي كانت بتسهر عليه تذاكر. بصيت عليه.. لقيت كشاكيلها ملمومة ومرصوصة بنظام، والكتب مقفولة، وفي نص المكتب بالظبط، كان محطوط مفتاح الأوضة، وسلسلة دهب رفيعة كانت أمها الله يرحمها سيبهالها يوم ما ماتت، وتحت السلسلة.. ظرف أبيض مقفول.
جنب الظرف، كانت صورة أمها، الصورة اللي كانت دايمًا شايلاها في حضنها وبتعيط عليها. بس المرة دي، الصورة مكنتش لوحدها.. كان جنبها خاتم دهب صغير، أول هدية جبتها لـ نور لما نجحت في الإعدادية وطلعت من الأوائل.
إيدي اتمدت للظرف وهي بتترعش رعشة شلل، قلبي كان بيدق في وداني بصوت عالي كأنه طبلة، وكل دقة كانت بتقول: ضاعت.. بنتك ضاعت يا غبي. فتحت الظرف وأنا مش قادر أتنفس، لقيت ورقة مقطوعة من كشكول سلك، مكتوب فيها كلام بخط إيدها المهزوز، كلام حسيت إن كل حرف فيه سكين تلمة بتدبح في رقبتي على البطيء.
كانت كاتبة:
“يا بابا..
أنا مكنتش عايزة أمشي وأنا كسرالك كلمتك، بس إنت كسرتني لدرجة مبقاش فاضل فيا حتة سليمة تخليني أقدر أقف قدامك تاني.
القلم اللي نزل على وشي مكنش مجرد ضربة، ده كان الإعلان الرسمي إن بنتك ملهاش ضهر في الدنيا خلاص، وإن أمي لما ماتت أخدتك معاها، وسابتلي مكانك راجل غريب، راجل مستعد يهدني ويبيع لحمه عشان يرضي واحدة بتكرهني من غير سبب، غير إني حتة من ماضيك اللي هي عايزة تمسحه بأي تمن.
يا بابا، أنا عمري ما طلبت منك حاجة فوق طاقتك. لما أمي ماتت، قعدت معاك أربع سنين أخدمك برموش عيني، أعملك الأكل اللي بتحبه، أغسل هدومك، أستناك على الباب وأنا خايفة تتأخر، وكنت بقول مش مهم تعبي، المهم بابا ميبقاش حزين. ويوم ما قررت تتجوز، أنا مكنتش ضدك، والله ما زعلت، فرحت وقلت يمكن ربنا يسعده ويعوضه بعد الحزن اللي عاشه.. بس مكنتش أعرف إن سعادتك هتبقى على جثتي.