بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الاول

بدل ما تتخض، بدل ما تقولي مالك، لقيتها بتمط شفايفها وبتضحك ضحكة استهزاء توجع: “إيه ده؟ هي الهانم سابت البيت ومشيت ولا إيه؟ شوفت بقى؟ مش قولتلك بنتك دي بتلوي دراعك؟ رايحة تعمل نمرة وتمثيلية عشان تكسر كلمتك وتخليك تجري وراها تبوس رجلها! سيبها.. سيبها تتربى، يومين وهيقرصها الجوع وهترجع تجرجر في ديول الخيبة، ده دلع بنات ملوش تلاتين لازمة!”.
الكلمات نزلت على وداني، بس المرة دي مكنتش بتخدّرني زي كل مرة.. المرة دي الكلمات كانت زي ماية بتغلي ادلقت على عيني ففتحتها بالعافية.
رفعت راسي وبصيت لسميرة.
لأول مرة من يوم ما اتجوزتها، مشوفش فيها البنت اللي حبيتها في الجامعة.. مشوفتش الملاك اللي فضلت سنين بتمنى ألمس إيدها. شوفت وشها الحقيقي.. وش مليان غل، وحقد، وقسوة ميعرفهاش حجر صوان. شوفت الست اللي هدت كرامة بنتي، اللي جوعتها وحبستها وشحنتني عليها بالكذب، الست اللي خلتني أمد إيدي على لحمي ودمي عشان أرضي غرورها.
قمت وقفت، والوقفة كانت صعبة كأني شايل جبل على ضهري. قربت منها، وعيني كانت جاحظة وحمرا زي الدم. سميرة اتراجعت خطوة لورا، وفنجان القهوة اتهز في إيدها وبدأ يقع منه نقط على السجادة: “إنت.. إنت بتبصلي كده ليه يا مجدي؟ مالك؟ إنت اتجننت؟”.
“اخرسي..”
الكلمة طلعت مني بصوت واطي بس كان بيزلزل، صوت مليان كره أنا نفسي استغربت إزاي طلع مني لواحدة كنت لحد إمبارح ببيع الدنيا عشانها.
قالت وهي بتزعق بصوتها العالي اللي كانت بتخوفني بيه: “إنت بتخرسني أنا؟! عشان بت قليلة الحيا مشيت وكسرت كلامك وسابتلك البيت بتعلي صوتك عليا؟! إنت نسيت أنا مين؟ أنا سميرة! اللي كنت بتجري وراها سنين، تبيعني عشان بت متسواش؟!”.
“البت دي تسواكي وتسوى أهلك كلهم وتسوّى التراب اللي بتمشي عليه!”
صرخت فيها بأعلى صوت عندي، ومديت إيدي وشديت الفنجان من إيدها رزعته في الحيطة وراها، الفنجان اتكسر لميت حتة والقهوة طرطشت على وشها وعلى هدومها. سميرة شهقت ورجعت لورا وهي مرعوبة، حاطة إيدها على وشها ومش مصدقة إن ده مجدي اللي كان بيطاطي ويقول حاضر ونعم.
مسكت الورقة من على الأرض ورفعتها في وشها: “شايفة دي؟ بنتي مشيت.. بنتي اللي أمها استأمنتني عليها في قبرها هجت وسابتلي الدنيا كلها عشان حضرتك ترتاحي! عشان قعدتك في الصالة تبقى على هواكي! بنتي اللي ربيتها ١٨ سنة بستر ربنا عمري ما مديت إيدي عليها، ضربتها بالقلم عشان واحدة حرباية دخلت بيتي عشان تخربه!”.