بعد وفاة مراتى حكايات زهرة الاول

أنا استحملت طنط سميرة كتير. استحملت المعايرة، واستحملت الكلام اللي يسم البدن، واستحملت إني أشتغل خدامة في البيت اللي هو بيتي قبل ما يكون بيتها. كنت بذاكر في الضلمة لما تقفل الراوتر عشان مقصرش في حلم أمي، وكنت بسكت لما تقولي يا شحاتة ويا اللي جاية تضيقيني في عيشتي. كل ده كنت ببلعه وبقول: عشان خاطر بابا ميقعدش مهموم بين نارين.

بس إنت مكنتش بين نارين يا بابا.. إنت كنت في نارها وبتولع بيا.

لما اتهانت أمي قدامي وقدام أختها، مقدرتش أسكت.. أمي اللي عاشت معاك سنين الصبر وكانت ستك وتاج راس الكل تتهان في قبرها عشان واحدة لسه داخلة بيتنا إمبارح؟ ولما جيت أشرحلك، مدينتنيش حتى حق الكلام.. مسمعتنيش، ورفعت إيدك اللي مكنتش بتتمد عليا غير بالحنية، ونزلت عليا قدامها عشان تثبتلها إنك راجل وسند.. ليها هي بس.

أنا مش راجعة البيت ده تاني يا بابا. الهدوم اللي على ذمتك أخدت منها بس اللي يسترني، والدهب ده بتاع أمي وبتاع هديتك، سيبتهولك عشان مش عايزة أي حاجة تفكرني بالوجع. متدورش عليا، ومتسألش أعمامي ولا أخوالي، لأني مروحتش لحد فيهم.. أنا عارفة إنك كنت خايف أروح هناك عشان كلام الناس، فأنا ريحتك من كلام الناس ومني خالص.

أنا عايشة في مكان أمين، هشتغل وأصرف على كليتي وهكمل تعليمي زي ما أمي كانت بتحلم. ومن اللحظة دي، اعتبر بنتك ماتت.. زي ما إنت موت أبوك في قلبي بالقلم ده.

سامحني.. لأني مش قادرة أسامحك.”

الورقة وقعت من إيدي على الأرض.

الدنيا لفت بيا، الحيطان بدأت تقرب مني وتطبق على صدري، حسيت إن الأكسجين طار من الأوضة، النفس دخل في زوري زي جمر مولع ومخرجش. رجلي خاني، وركبي سابت، وقعت على ركبي في الأرض جنب المكتب، ومديت إيدي لمست الورقة كأني بستسمحها، بستسمح الحروف اللي كتبتها بنتي.

“نور؟ نور يا بنتي!”

صرخت.. صرخة طلعت من قاع روحي، صرخة شقت سكوت الشقة كله. مكنتش صرخة غضب، كانت صرخة راجل بيشوف بيته بيتهد فوق دماغه وهو عاجز يشيل طوبة واحدة. حطيت راسي بين إيديا وبقيت بضرب على راسي زي المجانين: “عملت إيه؟ أنا عملت إيه في ضنايا؟ ضيعتها.. ضيعت حتة من كبدي عشان إيه؟ عشان مين؟!”.

الباب اترزع فجأة ورايا، وسميرة دخلت. كانت ماسكة في إيدها فنجان قهوة وبتتفرج على ضوافرها ببرود، دخلت وبصت على الدولاب المفتوح والشنطة اللي مش موجودة، وبصت عليا وأنا منهار على الأرض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *