رجعت من الشغل منى السيد الثاني والاخير
روحت على أوضة مريم، خبطت خبطتين خفاف وفتحت الباب براحة. لقيت مريم قاعدة على السرير، حاضنة المخدة بتاعتها وعيونها بتبص على الباب بخوف وترقب. أول ما شافتني، نزلت من على السرير وجريت عليا، اترمت في حضني ومسكت في رقبتي بقوة: — ماما.. هما مشيوا؟ خلاص مش هيرجعوا تاني؟
شيلتها في حضني، وقعدت على طرف السرير، ودفنت راسي في شعرها وشميت ريحتها. حسيت بدموعها بتبلل كتفي، بس المرة دي كانت دموع خوف بيتبدد، مش دموع انكسار وذل: — مشيوا يا حبيبتي، مشيوا ومش هيدخلوا العتبة دي تاني طول ما أنا فيا نفس. البيت ده بيتك، وشقايا ده كله ليكي، ومفيش مخلوق يقدر ياخد منك لقمة ولا يبصلك بصة متعجبكيش بعد النهاردة.
مريم بصتلي وعينيها بتلمع: — طب وبابا؟
اتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من قاع صدري: — بابا اختار طريقه يا مريم، واختار الناس اللي يمشوا معاه، وإحنا ملناش مكان في سكته. بكرة تفهمي كل حاجة وتعرفي إن أمك عملت الصح عشانك وعشان تحميكي.
سبتها في الأوضة تغير هدومها وتستريح، وخرجت للصالة. مسكت كيس زبالة كبير أسود، وبدأت ألم بواقي الأكل الفاسد، علب الجمبري، وقشر الكابوريا، والمناديل، وبواقي السوشي اللي كانوا بيتفاخروا بيه، وكيس الأندومي الفاضي اللي كان شاهد على قهر بنتي. مسحت السفرة كلها بمطهر، وفتحت الشبابيك عشان يدخل هوا الليل البارد يطرد كل روايحهم العفنة من الشقة.
قعدت على الكنبة، طلعت الفلاشة وحطيتها في اللاب توب بتاعي، وفتحت الإيميل وبعتت نسخة من كل المستندات، والتحويلات المسروقة، وصور الوصولات للمحامي بتاعي مع رسالة قصيرة: «يا متر، الصبح نرفع قضية طلاق للضرر، وقضية تمكين كامل من الشقة، وبلاغ رسمي بتبديد أموال واستغلال توكيلات. مش عايزة مليم يرجعلي منهم، أنا بس عايزة ورقة طلاقي وحقي القانوني في بنتي والبيت ده، ومش هتنازل عن قرش واحد في حقوق مريم الشرعية.»
التليفون على الترابيزة رن مرة تانية، شاشته نورت باسم “أحمد”. فضلت أبص للاسم للحظات، مكنش في قلبي أي ذرة شفقة ولا ندم، كان فيه بس راحة غريبة.. راحة إنسان كان شايل جبل على ضهره ونزله فجأة في نص السكة وكمل طريقه وهو خفيف وقادر يتنفس.
قفلت التليفون خالص، وحطيته في الشنطة.