عيلة جوزى الثاني والأخير

كان مستنيني.
لما شافني، ابتسم وقال
أخيرًا رجعتي.
قلت له
أنا لسه ما رجعتش للحلبة يا كابتن.
رد
أنا ما قلتش رجعتي للمنافسات. قلت رجعتي لنفسك.
الكلمات دي لمست قلبي.
بدأت بتمارين بسيطة، وكنت بوقف كل ما أحس بإرهاق، وبراجع مع الطبيب والمدرب أي خطوة جديدة.
ما حاولتش أثبت إني لسه بطلة.
كنت بتعلم أسمع جسمي، وأحترم حدودي، وأدي لنفسي فرصة أبدأ من جديد.
بعد شهر، قررت أزور عيلة كريم في البيت.
ما كانش فيه حفلة، ولا ضيوف، ولا شواية، ولا حد بيصور.
كانت مجرد قعدة عائلية صغيرة.
لما وصلت، سعاد فتحت لي الباب.
كانت متوترة، لكن استقبلتني باحترام.
قالت
اتفضلي يا ليلى.
دخلت، ولقيت فؤاد قاعد في الصالون، وكريم بيجهز الشاي.
رامي كان موجودًا أيضًا، لكنه ما قربش مني إلا بعد ما سلمت على الجميع.
وقف قدامي وقال
ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
بصيت لكريم، فهز رأسه كأنه بيقول لي إن القرار لي.
وافقت.
رامي وقف على مسافة مناسبة، وقال
أنا عارف إن اعتذاري في الجنينة ما كانش كفاية. أنا كنت بتعامل معاكي كأنك شخص سهل أستهين بيه، ولما اكتشفت إن عندك ماضٍ رياضي، اتفاجئت، لكن ده ما يغيرش إن اللي عملته كان غلط من البداية.
فضلت ساكتة.
كمل
أنا اتعودت إن الناس تسكت لما أعلي صوتي، وكنت فاكر إن ده معناه إني صح. اللي حصل خلاني أفهم إن الناس ممكن تسكت لأسباب كتير، وإن سكوتها مش معناه إنها ضعيفة.
قلت له
أنا مش محتاجة منك اعترافًا إني قوية يا رامي. أنا كنت محتاجة منك احترامًا، وده كان المفروض يحصل سواء كنت بطلة أو ما لعبتش رياضة في حياتي.
هز رأسه.
عندك حق.
وبعدين قال
أنا كمان بدأت أراجع طريقة تعاملي مع نادين. إحنا لسه ما حليناش كل مشاكلنا، لكني فهمت إن الاعتذار مش معناه إنها لازم ترجع فورًا، وإنها من حقها تاخد وقتها.
ما سألتوش عن تفاصيل علاقتهم.
دي كانت مسألة تخصهم، ومش من حقي أفرض عليها قرارًا أو أراقبها.
قلت له
أتمنى إنك تتغير فعلًا، مش عشان تثبت حاجة لحد، لكن عشان نفسك وعيلتك.
رامي هز رأسه، وبعدها رجع قعد.
ما بقيناش أصحابًا فجأة، وما اختفتش كل الخلافات القديمة، لكن على الأقل بقى فيه حدود واضحة.
سعاد قدمت الشاي، وقعدت جنبي.
بعد فترة من الصمت، قالت
أنا فكرت كتير في كلامك. إنتِ كنتِ صح لما قلتي إن الحماية مش معناها إننا نقرر بدل الناس.
بصيت لها.
قالت
أنا كنت بخاف من المشاكل، وبحاول أخلي كل حاجة هادية بأي طريقة، حتى لو ده معناه إن حد يتظلم. كنت فاكرة إن السكوت بيحافظ على البيت، لكن اكتشفت إنه أحيانًا بيخلي المشكلة تكبر.
ما وعدتهاش إن علاقتنا هترجع زي الأول.
لكن قلت لها
المهم إننا من هنا ورايح نتكلم بوضوح، وما نسمحش لحد يهين حد بحجة إننا عيلة.
هزت رأسها.
وفي نهاية القعدة، فؤاد طلب مني أتصور معاهم صورة عائلية.
وافقت، لكن قبل ما الصورة تتاخد، بصيت لرامي وقلت بابتسامة خفيفة
على فكرة، لو حد قرر يسكب بيرة على دماغي مرة تانية، مش هحتاج أكون بطلة عشان أطلب منه يعتذر.
ضحك كريم، وفؤاد ابتسم، وحتى رامي ضحك ضحكة قصيرة وهو بيقول
وصلت الرسالة.
اتصورت معاهم، وبعدها رجعت بيتي.
في الليلة دي، فتحت صندوق الميداليات مرة تانية.
طلعت الميدالية اللي كسبتها في آخر بطولة قبل إصابتي، ومسحت عنها التراب، وبعدها حطيتها على الرف جنب صورة جديدة ليا مع كريم.
ما رجعتش أعيش في الماضي.
وما حاولتش أنتقم من حد لمجرد إنني عرفت إن قرارات قديمة اتاخدت من غير ما أعرف كل تفاصيلها.
اخترت إني أراجع حقي، وأحافظ على كرامتي، وأدي لنفسي فرصة أعيش حياة أنا اللي أقرر شكلها.
بعد عدة شهور، كنت واقفة في صالة التدريب، بلف إيدي استعدادًا لتمرين خفيف.
كريم كان قاعدًا بعيد، بيتفرج عليا بابتسامة.
الكابتن عادل قرب مني وسألني
جاهزة؟
بصيت للحلبة قدامي.
الحلبة اللي كانت زمان كل أحلامي، وبعدها بقت المكان اللي كنت بخاف حتى أفتكر اسمه.
أخدت نفسًا عميقًا وقلت
جاهزة.
دخلت، وبدأت أتحرك بهدوء، من غير استعجال، ومن غير ما أحاول أثبت لأي حد حاجة.
كنت عارفة إن الطريق طويل، وإن الرجوع مش مضمون، وإن ممكن في يوم أقرر أكتفي بالتدريب.
لكن المرة دي، القرار كان قراري.
بعد التمرين، خرجت لقيت كريم مستنيني عند الباب.
سألني
حاسة بإيه؟
ابتسمت وقلت
حاسّة إني أخيرًا بطلت أهرب من حاجة حصلتلي زمان.
مسك إيدي وقال
وأنا فخور بيكي.
بصيت له، وبعدها رفعت عيني للسما اللي كانت بدأت تمطر مطرًا خفيفًا.
افتكرت حفلة الشوي، والبيرة اللي ڠرقت شعري، والضحكات اللي اتسمعت في الجنينة، واللحظة اللي رامي مسك فيها معصمي وهو فاكر إن مفيش حد يقدر يوقفه عند حده.
وقتها، كنت واقفة قدام عيلة كاملة شايفاني ست هادية، ومش متخيلين إن عندي ماضٍ رياضي مختلف.
لكن الحقيقة إنني ما كنتش محتاجة أوريهم إني أقدر أقاتل.
كنت محتاجة أوري نفسي إني أقدر أختار.
اختار إمتى أتكلم، وإمتى أمشي، وإمتى أسامح، وإمتى أحط حدودًا ما تسمحش لأي حد يتجاوزها.
أما رامي، فبمرور الوقت بدأ يواجه نتائج تصرفاته. مراجعة الحسابات استمرت، وأي اختلافات اتعاملوا معاها من خلال المستندات والقنوات القانونية، من غير ما يتحول الشك إلى حكم مسبق. وعلاقته بنادين فضلت محتاجة وقتًا ومجهودًا عشان تتصلح.
وأبويا، فبدأ يعوضني بالطريقة الوحيدة اللي كانت تفرق معايا فعلًا بقى يسمعني قبل ما ينصحني، ويسألني قبل ما يقرر، ويعترف إن الخۏف مهما كان سببه ما يديش أي إنسان الحق إنه يسلب إنسانًا تاني اختياره.
أما أنا، ففضلت أتمرن، وأتعافى، وأعيش حياتي مع كريم.
ما رجعتش للحلبة عشان أنتقم من رامي، ولا عشان أخوف عيلة جوزي، ولا عشان أثبت إن الست الهادية ممكن تبقى قوية.
رجعت لأنني كنت عايزة أرجع.
وفي كل مرة كنت بربط إيدي قبل التمرين، كنت بفتكر إن أقوى انتصار حققته ما كانش في مباراة، ولا قدام جمهور بيهتف باسمي.
كان يوم ما وقفت في جنينة بيت حماتي، وشعري مبلول بالبيرة، والناس بتضحك، وقررت إني مش هسمح لأي حد يحدد قيمتي، ولا يختار عني حياتي.
يومها، ما احتجتش أكسب خناقة.
احتجت بس أرفع رأسي، وأقول بوضوح
كرامتي مش موضوع هزار، واحترامي مش حاجة محتاجة أثبت إني أستحقها.
ومن يومها، بقيت دي القاعدة اللي عايشة بيها.
لأن البطلة الحقيقية مش هي اللي تقدر تهزم كل اللي يقف قدامها.
البطلة الحقيقية هي اللي تعرف تحافظ على نفسها، وتواجه الحقيقة مهما كانت مؤلمة، وتبدأ من جديد من غير ما تسمح للماضي إنه يسرق منها مستقبلها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *