ببعت لامى

قالت وهي بتبصلي: ـ أمك كانت بتجيلنا كل أسبوع تقريبًا. كانت بتجيب أكل للعيال، وتساعدني في مصاريف علاج بنتي. ولما كنت أرفض، كانت تقول لي: الفلوس دي مش بتاعتي، دي أمانة عندي.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
ـ أمانة إيه؟!
عبد الرحيم رد بهدوء: ـ الفلوس اللي كنت بتبعتها لها.

حسيت إن وداني بتزن، وقمت من مكاني بعصبية.
ـ مستحيل! أمي كانت بتصرف فلوسي على ناس غريبة وتسيب نفسها؟!
الست قامت وجابت علبة صفيح صغيرة من فوق دولاب قديم. فتحتها، وطلعت منها ورقة مطوية بعناية، شكلها قديم وممسوكة كتير.

مدتهالي وقالت: ـ دي وصية الحاجة روحية لينا. قالت لو حصلها حاجة، واللي يسأل عنها ابنها، نسلمه الورقة دي بإيدينا.

مسكت الورقة، وإيدي كانت بتترعش.

فتحتها، ولقيت خط أمي اللي أعرفه من وأنا صغير.

«يا علي يا حبيبي، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مش موجودة في الدنيا، ويمكن تكون زعلان مني، ويمكن تكون فاكر إني بخيلة أو إني ما عرفتش أفرح بيك.

أنا عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك تعبت في شغلك علشان تريحني، وكنت كل ما تبعتلي الفلوس أقول لنفسي: ابني ربنا كرمه، ولازم أكون قد الأمانة اللي في إيدي.

بس يا ابني، فيه حاجات كتير ما عرفتش أقولها لك في التليفون، وحاجات كنت بخاف أحكيها لك علشان ما تشيلش هم حد غير نفسك.

أنا عايزاك تعرف الحقيقة من غير ما تزعل من حد، ولا تظلم حد زي ما أنا يمكن ظلمتك بسكوتي».

وقفت القراءة.
إزاي أمي كتبت الكلام ده؟ وإيه اللي كانت مخبياه عني؟
بصيت لعبد الرحيم وقلت: ـ فين باقي الحقيقة يا حاج؟
قال: ـ باقي الحقيقة في مكان لازم تشوفه بنفسك.

خرجنا من البيت، وركبنا العربية تاني. طول الطريق كنت ساكت، وببص من الشباك، وكل شوية أفتكر أمي وهي واقفة على باب البيت يوم ما سبتها، بتنادي عليا وأنا نازل.
«يا ابني.. استنى يا ابني».
غمضت عيني بقوة، لكن صوتها ما سابنيش.

بعد حوالي نص ساعة، العربية وقفت قدام مبنى قديم مكوّن من دورين، عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها: «دار الرحمة لرعاية الأطفال».
نزلت وأنا مستغرب، وعبد الرحيم قال: ـ المكان ده كان بيت قديم، وأمك كانت بتجيله من سنين. ادخل يا علي.

دخلت وراه، ولقيت ست كبيرة في السن قاعدة على مكتب صغير، بتراجع أوراق، وأول ما شافت عبد الرحيم قامت وسلمت عليه.
قال لها: ـ أستاذة نادية، ده علي ابن الحاجة روحية.
الست سابت الورق من إيديها، وبصتلي بحنان غريب.
ـ يا ابني، أخيرًا جيت.
الكلمة دي لوحدها خلت قلبي ينقبض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *