ببعت لامى
أما يوم ما جيت، فأنا عارفة إنك اتكسفت. وحقك تزعل لو كنت قصرت مع ضيوفك. لكن والله يا ابني، لو كنت أعرف إنك هتمشي وتسيبني سنة كاملة من غير ما أسمع صوتك، كنت رميت كل حاجة من إيدي، وقعدت جنبك، حتى لو ما كانش عندي غير كوباية شاي ولقمة عيش.
كنت هقول لك اقعد يا ابني، إنت وحشتني.
كنت هحكيلك إني بقيت بتعب، وإني ساعات بخاف أنام وما أصحاش، وإن البيت بقى واسع عليا من غيرك.
لكن خلاص، اللي حصل حصل، وربنا وحده يعلم إني سامحتك قبل ما تسألني السماح.
ولو فيه حاجة واحدة عايزاك تعملها بعدي، فهي إنك ما تحكمش على حد من لقمة أكل، ولا من هدوم قديمة، ولا من موقف واحد.
اسأل، وافهم، وارحم.
وإوعى يا علي تفتكر إنك لما تساعد حد، تبقى خسرت فلوسك. يمكن تكون خسرت مبلغ، لكنك كسبت دعوة من قلب مكسور.
وأهم حاجة، يا حبيبي، ما تعيشش عمرك ندمان. أنا أمك، وكنت بحبك، وهفضل أحبك طول ما فيه دعوة طالعة من قلبي ليك.
ربنا يرضى عنك، ويرزقك الذرية الصالحة، ويجعل بيتك مليان رحمة.
أمك اللي بتحبك، روحية».
ما قدرتش أكمل.
ضميت الورقة لصدري، وفضلت أعيط لحد ما صوتي راح.
كنت أتمنى لو أقدر أرجع يوم واحد بس، حتى لو دقيقة، وأقعد قدامها وأقول لها إني آسف.
لكن الزمن ما بيرجعش، واللي بيروح من الدنيا ما بيرجعش مهما كانت فلوسنا أو مكانتنا.
في اليوم التاني، روحت للمحامي اللي كان متابع أوراق أمي، وطلبت منه أعرف كل حاجة تخص حساباتها ومساعداتها.
قعدنا ساعات طويلة نراجع الأوراق، واكتشفت إن أمي كانت منظمة كل شيء بدقة شديدة. كانت بتسجل أسماء الأسر اللي بتساعدها، ومواعيد العلاج، والمبالغ اللي بتصرفها، وحتى أرقام الناس اللي كانت بتسأل عليهم.
وكان فيه ملف منفصل بعنوان: «أطفال محتاجين علاج».
في الملف ده، لقيت اسم يوسف، حفيد عبد الرحيم، ومعاه أسماء أطفال تانيين، بعضهم اتعالج بالفعل، وبعضهم لسه محتاج مساعدة.
المحامي قال لي: ـ والدتك كانت بتطلب مني أراجع بعض الأوراق من وقت للتاني، وكانت دايمًا تؤكد إن المساعدة تكون موثقة، علشان الفلوس توصل لمستحقيها.
سألته: ـ وهي كانت بتعمل كل ده لوحدها؟
قال: ـ كانت بتشارك ناس موثوق فيهم، وبتروح بنفسها أحيانًا، لكن عمرها ما كانت بتحب حد يتكلم عنها. كانت بتقول إن الخير اللي صاحبه يستنى عليه تصفيق، مش بيبقى خير خالص.
خرجت من عنده وأنا واخد قرار.