ببعت لامى
مش هقدر أرجع أمي، لكن أقدر أحافظ على الحاجة اللي كانت بتحبها.
كلمت مراتي، وحكيت لها كل شيء من البداية للنهاية. كنت خايف من رد فعلها، خصوصًا إنها كانت موجودة يوم الغداء، وشافت اللي حصل.
لكنها فضلت ساكتة لحد ما خلصت.
وبعدين قالت: ـ علي، أنا كنت مستغربة يومها، ومكنتش فاهمة ليه مامتك قدمت لنا الأكل ده. لكن عمري ما تخيلت إنك تقاطعها سنة كاملة علشان موقف واحد.
نزلت عيني في الأرض.
قالت بهدوء: ـ أنا مش بقول لك الكلام ده علشان ألومك، بس أمك كانت تستحق إنك تسألها. يمكن لو كنت سألتها يومها: «مالك يا أمي؟»، كانت الحكاية كلها اتغيرت.
قلت لها بصوت مكسور: ـ عارف. وأنا كل يوم هفتكر الكلام ده.
مدت إيدها ومسكت إيدي.
ـ طيب، خلينا نعمل حاجة تفضل صدقة ليها. مش علشان تمسح اللي حصل، لأن مفيش حاجة هترجع الوقت، لكن علشان الخير اللي كانت بتعمله ما يقفش.
في اللحظة دي، حسيت إن دي أول كلمة تريح قلبي من ساعة ما عرفت الحقيقة.
تاني يوم، رحت دار الرحمة، وقابلت نادية وعبد الرحيم، وقلت لهم إني عايز أكمل مساعدة الأطفال والأسر اللي كانت أمي بتساعدهم.
نادية بصتلي وقالت: ـ والدتك كانت بتتمنى إنك تعرف، لكن ما كانتش عايزاك تعمل ده من باب الذنب. كانت عايزاك تعمل الخير وإنت مقتنع بيه.
قلت لها: ـ أنا مقتنع يا أستاذة نادية. أنا بس نفسي أحافظ على حاجة من ريحة أمي.
بدأت أراجع الحالات واحدة واحدة، واتفقنا على نظام واضح للمساعدات، وفواتير العلاج، ومصاريف الأسر، علشان كل جنيه يروح لمكانه.
وخصصت مبلغ ثابت كل شهر للدار، ومبلغ تاني لعلاج الأطفال، ومبلغ للطوارئ للأسر اللي ظروفها صعبة.
لكن أكتر حاجة كنت حريص عليها، إني أروح بنفسي كل فترة، وأقعد مع الناس، وأسمع حكاياتهم، بدل ما أكتفي بتحويل الفلوس وأنا بعيد.
وفي أول زيارة ليا بعد ما بدأنا النظام الجديد، لقيت يوسف قاعد في الحديقة الصغيرة قدام الدار، بيلعب بكورة قديمة.
أول ما شافني، جري ناحيتي وقال: ـ إنت عمو علي؟
ابتسمت وأنا بنزل لمستواه.
ـ أيوه يا حبيبي.
قال ببراءة: ـ جدو عبد الرحيم قال لي إن جدتك كانت بتحبني، وإنها كانت بتدعيلي كل يوم.
حسيت بغصة في حلقي.
قلت له: ـ جدتك كانت بتحب كل الأطفال يا يوسف.