ببعت لامى

بعد وقت طويل، نادية قالت: ـ أمك قبل ما ترحل بيومين، طلبت مننا نجيب لها تليفونها. كانت عايزة تسمع صوتك، حتى لو ما رديتش عليها.
رفعت راسي بسرعة.
ـ تليفونها فين؟!
قالت: ـ عندنا، مع حاجاتها.
جابت التليفون القديم، وكان شاشته مكسورة، والغطاء بتاعه متآكل من كتر الاستخدام.

مسكته بإيدي، وفتحته.
لقيت سجل المكالمات مليان أرقام حاولت تتصل بيها، وأغلبها رقمي القديم.
مكالمات فائتة.
رسائل ما اتفتحتش.
وكل مرة كانت بتحاول تتصل، كنت أنا في الناحية التانية من الدنيا، شايف اسمها، وبقفل التليفون من غير ما أسمع صوتها.

دخلت على الرسائل، ولقيت رسالة صوتية محفوظة بتاريخ قبل رحيلها بأسبوع.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس تشغيل.
طلع صوتها ضعيف، متعب، لكنه كان صوتها اللي أعرفه من يوم ما اتولدت.

«ألو يا علي… يا حبيبي، لو سمعت الرسالة دي، ابقى طمني عليك. أنا عارفة إنك زعلان مني، وعارفة إني غلطت لما ما عرفتش أكرم ضيوفك زي ما كنت أتمنى. والله يا ابني ما كان قصدي أحرجك.

أنا كنت مجهزة حاجات كتير، بس حصلت ظروف، وربنا يعلم إني كنت نفسي أشوفك مبسوط.
يا علي، أنا مش عايزة منك فلوس، ولا عايزة حاجة من الدنيا. أنا عايزة أسمع صوتك بس. حتى لو هتزعق لي، حتى لو هتقول لي إني غلطانة، أنا هسمعك وأقول لك حاضر.

بس ما تطولش الزعل يا ابني. العمر مش مضمون، وأنا بقيت أتعب بسرعة.
ربنا يحفظك ويحفظ مراتك، ويجعل أيامكم كلها خير.
بحبك يا علي… بحبك قوي».
انتهت الرسالة.
لكن أنا فضلت ماسك التليفون على ودني، مستنيها تكمل، مستنيها تقول أي كلمة تانية.

ما كنتش قادر أصدق إن آخر مرة سمعت فيها صوت أمي كانت من تسجيل قديم، وإن آخر مرة هي سمعت فيها صوتي كانت من سنة كاملة.
أنا اللي حرمت نفسي منها.
أنا اللي كنت أقدر أرفع التليفون وأسمعها في ثانية، لكن اخترت أعاقبها بالصمت.

خرجت من الدار وأنا مش شايف قدامي. عبد الرحيم حاول يركبني معاه، لكني طلبت منه يوصلني لبيت أمي.
لما وصلت، فتحت الباب بالمفتاح اللي كان معايا، ودخلت.
البيت كان هادي بطريقة تخوف.
نفس الكنبة اللي كانت قاعدة عليها وهي بتكلمني.
نفس الصورة اللي فيها أبويا واقف جنبها يوم فرحهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *