ببعت لامى
أخيرًا جيت؟
يعني الناس دي كلها كانت مستنياني؟
قعدت قدامها، فقالت: ـ أمك كانت بتساعد الدار دي من أكتر من عشر سنين. في الأول كانت بتجيب هدوم وأكل، وبعد ما إنت سافرت وبدأت تبعت لها الفلوس، كانت بتتكفل بمصاريف أطفال ما عندهمش حد يصرف عليهم.
بصيتلها بذهول.
ـ عشر سنين؟! أنا بقالي بره سنتين بس!
هزت راسها وقالت: ـ قبل ما تسافر، كانت بتبيع حاجات من دهبها القديم، وتساعد على قد ما تقدر. وبعد سفرك، لما بقيت تبعتلها المبلغ الكبير، قالت لنا إن ربنا وسّع عليها من خلال ابنها، وإنها مش عايزة الفضل ده يقف عندها.
سألتها بصوت مبحوح: ـ يعني هي كانت بتدي الخمسين ألف كلهم للدار؟
قالت: ـ مش كلهم. كانت بتقسمهم بين الدار وبين أسر فقيرة تعرفهم بنفسها. كانت بتحتفظ بجزء لمصاريفها وفواتير البيت، وجزء كانت بتحطه في حسابها علشان لو احتاجت علاج أو حصل لها ظرف.
سكتت لحظة، وبعدين أضافت: ـ لكن آخر سنة، حصلت مشكلة كبيرة خلتها تتصرف بطريقة مختلفة.
قربت منها وأنا حاسس إن قلبي بيدق بعنف.
ـ مشكلة إيه؟
بصت لعبد الرحيم، وكأنها بتستأذنه إنها تكمل.
هو هز راسه وقال: ـ لازم يعرف.
فتحت درج مكتبها، وطلعت ملف بني قديم، حطته قدامي.
ـ قبل رحيلها بشهور، أمك عرفت إن واحدة من الأسر اللي بتساعدها عندها طفل محتاج عملية كبيرة. الأب رحل، والأم كانت بتشتغل باليومية، والطفل كان محتاج علاج مستمر ومتابعة ومصاريف كتير. أمك قررت إنها تتحمل كل اللي تقدر عليه.
فتحت الملف، ولقيت إيصالات مستشفى وتحاليل وفواتير أدوية، كلها بأسماء مختلفة.
لكن اسم واحد شدني.
«يوسف محمود عبد الرحيم».
بصيت لعبد الرحيم، لقيته منزل عينه في الأرض.
سألته: ـ مين يوسف؟
اتنهد وقال: ـ حفيدي يا ابني.
سكت لحظة، وبعدين كمل: ـ ابني رحل من أربع سنين، وساب وراه ولد صغير. أمه اتجوزت وسافرت، والولد فضل معايا. أنا راجل على قد حالي، وكنت بحاول أعالجه من مرض في القلب، لكن المصاريف كانت أكبر مني.
يوم ما أمك عرفت، ما اكتفتش إنها تساعدني في العلاج، دي فضلت ورايا لحد ما وافقت أروح بيه لمستشفى متخصص.
بصيت للملف، ولقيت إيصالات بمبالغ كبيرة، بعضها باسمي بشكل غير مباشر، وبعضها مكتوب عليه اسم أمي.
عبد الرحيم كمل: ـ أمك كانت بتقول لي: «عبد الرحيم، ده رزق ربنا بعته للولد. ما تحرمهوش من العلاج علشان كرامتك».
ساعتها حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.