ببعت لامى

افتكرت إنها ما كانتش بتبص في عيني.
وأنا، بدل ما أسألها إذا كانت تعبانة، اتهمتها بالبخل.
بدل ما أقول لها: «مالك يا أمي؟ إنتِ كويسة؟»، قلت لها إني غلطان إني جيت مصر.
مديت إيدي لوشي، وفضلت أعيط.
لكن نادية لسه ما خلصتش كلامها.

قالت: ـ يا علي، فيه حاجة تانية لازم تعرفها. أمك ما كانتش عايزة تديك إحساس إن الفلوس اللي بتبعتها ليها ضاعت. كانت بتكتب كل حاجة في كراسة، كل جنيه دخل وكل جنيه خرج، علشان لو سألتها في يوم تعرف تقول لك الفلوس راحت فين.

قامت من مكانها، وراحت ناحية دولاب صغير في آخر المكتب، وطلعت كراسة بنية، أطرافها مهترئة.

ناولتهالي.

ـ دي كانت عندنا، لأنها طلبت مننا نحتفظ بيها أمانة.

فتحت الكراسة، ولقيت صفحات كاملة مكتوبة بخط أمي.

كل شهر كان مكتوب فيه المبلغ اللي وصلها مني، وتحته تقسيم واضح: مصاريف البيت، علاج، تبرعات، مساعدة فلان، دواء فلانة، مصاريف طفل.

وفي آخر كل صفحة، كانت كاتبة جملة صغيرة:
«ربنا يبارك في رزق علي، ويجعله سبب في فرحة قلب حد محتاج».

فضلت أقلب الصفحات، لحد ما وصلت لصفحة الشهر اللي نزلت فيه مصر.
لقيت مكتوب:
«المبلغ اللي وصل من علي: خمسين ألف جنيه.
مصاريف البيت والعلاج: …
مساعدة دار الرحمة: …
علاج يوسف: …

مساعدة أم محمود في الإيجار: …
الباقي: تجهيز زيارة علي ومراته وأهلها».
وتحتها، بخط أصغر:
«نفسي أعمل لهم غدا حلو يليق بيهم، بس الفلوس اللي فضلت مش مكفية، والمبلغ اللي كنت مستنياه اتأخر. هتصرف بكرة إن شاء الله».
قعدت أقرأ الجملة دي مرارًا.
كانت أمي عايزة تكرم ضيوفي، لكن الظروف خذلتها.

وأنا خذلتها أكتر.
قلبت الصفحة اللي بعدها، ولقيت سطرين مكتوبين بقلم مختلف، واضح إنهم اتكتبوا في وقت متأخر.

«علي زعل مني. يمكن كان عنده حق، ويمكن أنا ما عرفتش أوضح له. مش هعاتبه، ده ابني وحبيبي. بس نفسي أعرف هو أكل كويس بعد ما مشي؟ نفسي أتصل بيه وأقوله إني ما قصدتش أزعله، لكن خايفة يرد عليا بكلمة توجعني، فأكتفي إني أدعيله».

وقعت الكراسة من إيدي.
صرخت باسمها.
ـ يا أمي!
صرخة خرجت من أعمق مكان في قلبي، لكنها ما لقتش حد يرد عليها.
فضلت أبكي وأضرب على صدري، وعبد الرحيم واقف جنبي مش عارف يعمل إيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *