انت مكافئتى دفنا عمر الثاني والاخير

نفض بلال أتربة عالقة بكفيه أثناء ترتيبهم بضاعته،
ثم جلس أرضا، فتبعه صديقه منتظرا الجواب :

_لما بتحب حد وتتعلق بيه من طفولتك ، ويكبر إحساسك بيه، وتتلهف تعرف كل تفصيله تخصه ، مع الوقت هتقدر تتوقع تصرفاته وردود افعاله!

واصل بلال حديثة بعد برهة قصيرة، بنبرة بدت مستمتعة باستدعاء ذكريات يحب النبش بخباياها :

كل يوم الصبح كنت بشوفها وهي رايحة مدرستها مع أصحابها ، كنت بشوفها بتمشي أزاي، وتبص حواليها بأي طريقة، أزاي بتضحك .. وأمتي بتضايق ، بتحب تاكل أيه ، كتير كنت بسمع أحاديثها هي ورغد لأني كنت ببقي ماشي قريب منهم !”
وقتها ماكنتش فاهم أوي وأنا طفل ، ليه براقبها بالشكل ده ، ومبسوط ليه وانا بشوفها،أعتبرتها زي قطعة حلوى بكافيء بيها طفل يتيم جوايا ، لحد مافهمت إحساسي ده مع الوقت..!!

التفت لصديقه مستانفا حديثه:
تفتكر بعد كل ده ، مش هقدر أتوقع تصرفاتها او أفهم طريقة تفكيرها أيه؟!!!

ابتسم معتصم : فعلا محدش هيفهمها زيك يا بلال!
ثم واصل: بس في سؤال رفيع.. ازاي كنت بتستناها كل يوم بمعاد مدرستها.. وبتلحق تروح مدرستك في نفس الوقت؟!
بلال ساخرا: لأ سؤال رفيع فعلا!
منحه معتصم عمزة عين مشاكسة مع ميلة رأسه وابتسامة ماكرة منتظرا إجابته.. فقال بلال:

_من حسن حظي أنها كانت بتخرج بدري جدا.. وبتفوت على صديقتها.. كنت بشوفها وامشي وراها وقت بسيط جدا.. وبعدها بركب مواصلة توصلني مدرستي بسرعة، ولأني كنت دايما بشتغل بأجازة الصيف، وماكنتش من النوع اللي بيصرف، كان دايما معايا فلوس عشان اركب بيها مواصلات يوميًا.. ومايتأثرش التزامي بموعيد المدرسة!
معتصم بمزاح: لأ معلم من يومك ياروميو..!

بلال وهو ينتصب ثانيًا على ساقيه:
طب كفاية رغي بقى وقوم نرص باقي البضاعة.. لأني هموت واوصل لسريري وأنام!
معتصم وهو يقف خلفه: ومين سمعك .. أنا مش حاسس برجلي من التعب.. استعنا على الشقا بالله!

*******************

كعادته كل صباح، وقت الشروق.. يقضي بهاء وقت قصير قبل ذهابه للأرض بتلك البقعة الخضراء بقرب منزل عمته بمسافة ليست بعيدة محاطة باشجار فارعه الطول تظلل بقعته الخاصة التي يفضل الجلوس .. يرتشف قدح الشاي بكسرة خبز صغيرة لحين إفطاره مع العاملين بالارض معه، فبرغم أنه مالك الأرض التي يعمل بها ، ولكنه يعمل مثلهم ويأكل معهم ، ولا يجعل بينه وبينهم أي مسافة.. مما جعله محبوب بينهم ، وشتان بين حبهم الصادق له ، وبين نفاق رفاقه السابقين .. فلم يسأل أحدهم عنه بعد وفاة والدته ، حتى وليد الذي كان يظنه صاحبه الوفي .. أهمل السؤال عنه ، ولم يجد بهاء جواره سوى معاذ!!
وما ان تذكر الأخير ، حتى مر بمخيلته احداث موقفه الأخير مع أبنة خاله أروى ، وتدخل معاذ حينها والثأر منه لها.. !
يا ليتنا نستطيع محو كل أثر لما يؤلمنا ويُخزِينا أمام أنفسنا من جدران الذاكرة ! ولكن تبقى الذكرى لتُشقينا آبد الدهر!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *