انت مكافئتى دفنا عمر الاول
دارت عيناه على تقاسيم وجهها متأملًا إياها بحب لم يستطع اخفائه ، وبنبرة فضحت شوقه الجارف :
انتي عارفة كويس اني حبيتك ، واني لسة بحبك ولاخر لحظة في عمري هحبك يا بيسان ..!
اقتربت منه ثم بسطت كفها الأيمن أمام عيناه :
يبقي ترجعلي يامعاذ!
تأملها بدهشة فلم يتوقع منها هذا التصرف.. ثم تملكه الحزن ولم يجد ما يقوله!
فباغتته باحتواء كفه بين كفيها معا وبصوت يقطر رجاء وتوسل:
رجعني ليك يا معاذ ، أنا مش هقدر أعيش من غيرك ولا انت كمان هتقدر، يبقي ليه نتعذب ، رجعني واوعدك اني أثبت لك بكل الطرق أنك كنت غلطان ، وأني هحبك أكتر .. هحبك الحب اللي كنت هحبه لولادي، هحبك الحب اللي يكفينا سوا، ومايحسسناش بنقص ..رجعني عشان أنت مش هتكمل من غيري.. وأنا هفضل بدونك كيان هش وضعيف ..خلينا نكسر الحواجز اللي بينا ونرجع تاني نمشي نفس الطريق..!
صمتت تلتقط أنفاسها المتلاحقة ، وصدرها يعلو ويهبط بعنف من شدة أنفعالها..ومازالت تحتضن كفيه بين راحتيها ..تنتظر منه رداً يُحيها، تنتظر منه إنصافا بتصحيح قرار تراه مجحفًا بحقهما.. تنتظر قطرة أمل لترتوي روحها بعودته إليها ..
فلم تحصل منه سوى على الصمت!
وكم كان لصمته ألف معنى وإجابة أدركتها!
كما أدركت أنها أهدرت كرامتها أمامه بتوسلها إليه!
جرحها مرة أخرى.. خدش كبريائها حين رفضها بصمته .. أهان حبها .. خذل يدها الممدودة له!!
ابتعدت خطوتين للوراء تاركةً كفه يتسرب من بين كفيها، ثم كفكفت دموعها العالقة بمقلتيها ، قائلة بنبرة كستها القسوة والقوة معًا:
اوعدك يادكتور معاذ .. إني هبدأ حياتي مع غيرك،
وقريب أوي هتكون دعوة فرحي في أيدك!
قالت جملتها الأخيرة ، مغادرة محيطه.. ثم القاعة باكملها.. ولم ترى تلك الدمعة التي تمردت أخيرًا لتسقط من مقلتيه تشيع حبًا لم يكن لسواها..!
…………………
بعد منتصف الليل بنصف الساعة ، وقفت أروى امام نافذة غرفتها ، متوارية خلف زجاجها الشفاف، ورذاذ المطر المتكون بسحب السماء يتساقط بقطرات ضعيفة ، اشتدت بالتدريج، فانهمر المطر بشدة فأصبح صوت اصطدامه بالنافذة مسموعا ، محتضنة بكفيها كوب ساخن من قهوتها المفضلة الممزوجة بقليل من اللبن الطازج.. ترتشفها باستمتاع ..
واثناء ارتشافها بعض منها وقع بصرها على شخص ما يدخل حيز بنايتها، لم تتبين ملامحه لخفوت الضوء ، فبالكاد رأت هيئته المظلمة ، حاملا شئ كبير بذراعيه .. خُيل إليها أنه رفع وجهه قليلا تجاه نافذتها! وكأنه يحاول رؤيتها .. فضيقت عيناها تحاول تبين ذلك ، ولكن العتمة تغلف المكان بأكمله ..
تركت الأمر فربما خدعها البصر ، فلما سينظر لها هذا الغريب؟! ..غادرت النافذة ، محدثة نفسها أنه ربما زائر لأحد قاطني الدور الذي يقع أسفلها..!